شهد مطار سيدني خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة من الحوادث القريبة من التصادم، أعادت ملف سلامة المدارج وإدارة الحركة الجوية إلى الواجهة، خصوصاً بعد تسجيل أربع وقائع خلال فترة لا تتجاوز شهراً واحداً.
ورغم أن التحقيقات لم تحسم بعد أسباب هذه الحوادث، فإن مراجعة بيانات مكتب سلامة النقل الأسترالي على مدى أكثر من عقدين تكشف أن بعض أنواع الحوادث الأرضية في قطاع الطيران سجلت اتجاهاً تصاعدياً يستحق الاهتمام.
أربع وقائع خلال أسابيع
في أحدث الحوادث، حصلت طائرتان على تصريح باستخدام المدرج نفسه في الوقت ذاته، قبل أن ينتبه أحد الطيارين إلى وجود الطائرة الأخرى ويتوقف في الوقت المناسب.
وقبل ذلك بأيام، واجهت طائرة تابعة لـ”جيت ستار” أثناء استعدادها للإقلاع طائرة شحن تابعة للخطوط القطرية كانت تُسحب عبر أحد الممرات. واضطرت الطائرتان إلى التوقف بشكل مفاجئ، ما أدى إلى إصابة خطيرة لأحد أفراد طاقم الضيافة في طائرة جيت ستار.
وفي واقعة أخرى، بدأت طائرة تابعة لـ”فيرجن أستراليا” إجراءات الإقلاع بينما كانت طائرة تابعة لـ”كانتاس” تعبر أمامها، قبل أن يتم إلغاء تصريح الإقلاع وتتوقف الطائرة.
كما شهد أواخر يوليو حادثاً حصلت فيه طائرة كانتاس على تصريح بعبور المدرج بينما كانت طائرة أصغر لا تزال في مرحلة الهبوط، لكن مراقبي الحركة الجوية اكتشفوا الموقف وتمكنوا من التدخل.
ماذا تقول بيانات 22 عاماً؟
تحليل بيانات السلامة الجوية الأسترالية بين عامي 2003 و2025 يشير إلى ارتفاع ملحوظ في بعض الحوادث المرتبطة بحركة الطائرات على الأرض.
ففي الرحلات الداخلية، ارتفع عدد حوادث التصادم أو الاقتراب من التصادم أثناء تحرك الطائرات على الممرات، كما ارتفع معدلها مقارنة بعدد ساعات الطيران. وهذا يعني أن زيادة الحركة الجوية وحدها لا تفسر الاتجاه بالكامل.
وعلى مستوى النقل الجوي التجاري بصورة عامة، أظهرت حوادث اقتحام المدارج اتجاهاً تصاعدياً في العدد والمعدل، إذ ارتفع متوسط عدد هذه الوقائع بنحو ثلاث حوادث إضافية كل عامين خلال الفترة التي شملها التحليل.
هل هناك خطر على المسافرين؟
رغم أن تكرار الحوادث في مطار سيدني خلال فترة قصيرة يثير القلق، فإن ذلك لا يعني تلقائياً أن المطار أصبح غير آمن. فالوقائع الأربع مختلفة من الناحية التشغيلية، والتحقيقات هي التي ستحدد الأسباب والعوامل المشتركة المحتملة بينها.
كما أن معظم حوادث اقتحام المدارج لا تنتهي بتصادم أو إصابات، لكنها تظل مؤشراً مهماً لأن أي فشل متزامن في أنظمة الحماية يمكن أن يحول حادثاً بسيطاً إلى مواجهة خطيرة.
وفي الوقت نفسه، ظهرت تساؤلات حول الضغوط التي يتعرض لها مراقبو الحركة الجوية ونقص أعداد العاملين، مع تقارير عن الاعتماد على ساعات العمل الإضافية في سيدني.
وبالتالي، فإن البيانات لا تشير إلى أزمة فورية في سلامة الطيران الأسترالي، لكنها تقدم إنذاراً يستحق التعامل معه بجدية. ومع استمرار نمو حركة الطيران، تصبح المحافظة على أعداد كافية من المراقبين وتحسين إجراءات إدارة المدارج والممرات عوامل أساسية لمنع الحوادث قبل أن تتحول إحدى حالات الاقتراب إلى كارثة حقيقية.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

