في قلب الصحراء الأسترالية، وعلى بعد نحو 18 كيلومتراً جنوب غرب مدينة أليس سبرينغز، تقع واحدة من أكثر المنشآت غموضاً في البلاد، وهي قاعدة باين غاب (Pine Gap) المشتركة بين أستراليا والولايات المتحدة. ورغم مرور ما يقارب ستة عقود على إنشائها، لا تزال طبيعة عملها الحقيقية محاطة بسرية كبيرة، ما يجعلها محوراً دائماً للنقاش والجدل السياسي والشعبي.
عاد اسم القاعدة إلى الواجهة خلال الأيام الماضية بعد تنظيم احتجاجات استمرت ثلاثة أيام، تزامناً مع الذكرى الستين للاتفاق الذي أتاح إنشاء المنشأة على أراضي شعب الأرنتي التقليدية. وطالب المشاركون بإغلاق القاعدة وإعادة الأرض إلى أصحابها الأصليين، مع الدعوة إلى مزيد من الشفافية بشأن دورها العسكري والاستخباراتي.
وتتميز القاعدة بقبابها البيضاء الضخمة التي تخفي بداخلها أنظمة متطورة لمراقبة الأقمار الصناعية، ويُعتقد أنها تُستخدم في جمع المعلومات الاستخباراتية ورصد عمليات إطلاق الصواريخ حول العالم. إلا أن الحكومة الأسترالية تواصل الامتناع عن التعليق على تفاصيل نشاطها، مؤكدة أن القضايا الاستخباراتية لا تخضع للنقاش العلني.
تأسست المنشأة في أواخر ستينيات القرن الماضي خلال الحرب الباردة، عندما كان هدفها الأساسي مراقبة التجارب الصاروخية للاتحاد السوفيتي. وفي ذلك الوقت، قُدمت للسكان المحليين على أنها مركز للأبحاث الفضائية، قبل أن تتوسع لاحقاً لتصبح واحدة من أهم المنشآت الاستخباراتية المشتركة بين كانبيرا وواشنطن.
ورغم أهميتها الأمنية، ظلت القاعدة هدفاً للاحتجاجات منذ سنوات طويلة. ففي ثمانينيات القرن الماضي شهدت المنطقة مظاهرات كبيرة ضد وجودها، وتجددت هذه التحركات مع تصاعد التوترات الدولية، خاصة في ظل الحرب الدائرة في غزة.
ويقول ناشطون وخبراء إن المعلومات التي تجمعها الأقمار الصناعية المرتبطة بقاعدة باين غاب قد تُستخدم لدعم عمليات عسكرية لحلفاء الولايات المتحدة، وهو ما دفع متظاهرين ومنظمات مؤيدة للفلسطينيين إلى المطالبة بإجراء مراجعة مستقلة لدور أستراليا في النزاعات الخارجية. وفي المقابل، تنفي إسرائيل الاتهامات المتعلقة بارتكاب إبادة جماعية في غزة، كما لم تؤكد الحكومة الأسترالية أي استخدام محدد للقاعدة في العمليات العسكرية الجارية.
وفي الوقت نفسه، يرى عدد من سكان مدينة أليس سبرينغز أن القاعدة توفر فرص عمل مهمة وتدعم الاقتصاد المحلي، إذ يعمل فيها مئات الأشخاص من المنطقة. بينما يعتقد آخرون أن وجودها قد يجعل المدينة هدفاً محتملاً في حال اندلاع نزاعات عسكرية واسعة.
ويبرز أيضاً بُعد آخر للقضية يتعلق بالسكان الأصليين، إذ تؤكد عائلة هايز، وهي من أصحاب الأرض التقليديين، أن القاعدة أُقيمت فوق موقع مقدس بالنسبة لهم. ويطالب أفراد العائلة بإعادة الأرض إليهم وتحسين الظروف المعيشية في مجتمع “وايت غيت”، الذي يفتقر إلى خدمات أساسية مثل المياه الجارية وشبكات الصرف الصحي، رغم قربه من واحدة من أكثر المنشآت العسكرية تطوراً في البلاد.
وبين من يعتبر باين غاب ركناً أساسياً في التعاون الدفاعي بين أستراليا والولايات المتحدة، ومن يراه رمزاً للسرية والتدخل في النزاعات الدولية، تبقى القاعدة واحدة من أكثر المواقع إثارة للجدل في التاريخ الأسترالي الحديث، مع استمرار المطالب الشعبية بكشف مزيد من المعلومات حول طبيعة عملها ومستقبلها.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

