تُعد أموال التقاعد (Superannuation) في أستراليا واحدة من أكبر مصادر الثروة الوطنية، إذ تجاوزت قيمتها 4.5 تريليون دولار أسترالي، ما يجعلها من أكبر صناديق الادخار التقاعدي في العالم. ومع تزايد التحديات التي تواجه البلاد، مثل أزمة الإسكان، وتراجع الإنتاجية، والحاجة إلى تمويل مشاريع الطاقة النظيفة والبنية التحتية، عادت الحكومة الفيدرالية لتطرح فكرة الاستفادة بشكل أكبر من هذه الأموال لدعم الاقتصاد الوطني.
ويرى رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي أن صناديق التقاعد لا تمثل مجرد مدخرات شخصية للمواطنين، بل هي أيضاً أصل وطني يمكن أن يسهم في تحقيق عوائد أفضل للأفراد وفي الوقت نفسه يدعم التنمية الاقتصادية داخل البلاد. وخلال مشاركته في ملتقى متخصص حول قطاع التقاعد، دعا ألبانيزي كبار مديري صناديق التقاعد والبنوك إلى زيادة استثماراتهم داخل أستراليا، وخاصة في تمويل الشركات والمشروعات التي تعزز النمو الاقتصادي.
لكن هذه الدعوة قوبلت بتحفظ واضح من قادة القطاع المالي، الذين أكدوا أن توجيه الحكومة لاستثمارات صناديق التقاعد قد يحمل مخاطر كبيرة. فقد شدد عدد من المسؤولين التنفيذيين على أن مهمة هذه الصناديق ليست تنفيذ السياسات الحكومية، وإنما تحقيق أفضل عائد ممكن لأصحاب الحسابات، محذرين من أن التدخل في قرارات الاستثمار قد يؤدي إلى تشويه الأسواق المالية وتقليل كفاءة توزيع رؤوس الأموال.
ويستند هذا الموقف إلى مبدأ قانوني أساسي يحكم عمل صناديق التقاعد في أستراليا، وهو ما يعرف بـ”واجب تحقيق أفضل مصلحة مالية للأعضاء”. ويُلزم هذا المبدأ أمناء الصناديق باتخاذ قرارات استثمارية تحقق أعلى منفعة ممكنة للمشتركين مع مراعاة حجم المخاطر، دون الانحياز إلى أهداف سياسية أو اقتصادية خارج نطاق مصلحة المستثمرين.
في المقابل، لا ينكر خبراء الاقتصاد أن أموال التقاعد يمكن أن تلعب دوراً مهماً في دعم الاقتصاد الوطني، خاصة إذا تم استثمارها في مشروعات تحقق عوائد مجزية على المدى الطويل، مثل البنية التحتية والطاقة المتجددة والإسكان. إلا أنهم يرون أن نجاح هذا التوجه يجب أن يعتمد على جاذبية هذه الاستثمارات من الناحية المالية، وليس على فرضها بقرارات حكومية.
وقد سبق أن شهدت أستراليا تجارب ناجحة في جذب صناديق التقاعد للاستثمار في مشاريع وطنية عندما توفرت البيئة المناسبة والحوافز الاقتصادية، ما يؤكد أن التعاون بين الحكومة والقطاع المالي قد يكون أكثر فعالية من إلزام الصناديق بتوجيه أموالها إلى قطاعات محددة.
وفي النهاية، يبقى التحدي أمام الحكومة هو تحقيق توازن دقيق بين الاستفادة من القوة المالية الضخمة لصناديق التقاعد في دعم الاقتصاد، وبين الحفاظ على استقلالية قراراتها الاستثمارية وضمان حماية مدخرات ملايين الأستراليين. فنجاح أي سياسة في هذا المجال يعتمد على بناء الثقة، وتوفير فرص استثمارية مجدية، دون المساس بالمبدأ الأساسي الذي أنشئت من أجله هذه الصناديق، وهو تأمين تقاعد كريم ومستقر للأجيال الحالية والمستقبلية.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

