قضت دودة القز حياتها مختبئة من يدٍ ملعونة كانت ترى في حريرها ربحًا، لا حياة، مع ذلك، لم تتوقف يومًا عن العمل بصبرٍ ودأب، تنسج خيوطها في صمت.

ذات يوم، حملتها الريح إلى بيت امرأة مسنّة تعيش وحيدة، لم تؤذها، بل اعتنت بها، قدّمت لها أوراق التوت، تبادلت معها أحاديث الوحدة، ودفء القلب.

لأول مرة، شعرت دودة القز بالأمان. خرجت من شرنقتها فراشةً بيضاء، أدركت أن العالم لا يخلو من الأيدي الرحيمة، وأن صداقةً واحدة صادقة تكفي لتداوي عمرًا كاملًا من الخوف.

عاشت المرأة المسنّة في بيتٍ يملؤه الصمت، حتى الجدران نسيت صوت الحديث، حين وجدت دودة القز، لم ترَ فيها حشرةً صغيرة، بل رفيقةً تشاركها الوحدة. قدّمت لها أوراق التوت كل صباح، جلست أمامها تراقبها وهي تنسج شرنقتها بصبر، رأت في خيوط الحرير ما يرمّم شقوق قلبها، وعندما خرجت فراشةً بيضاء، شعرت العجوز أن الحياة، ما زالت قادرة على أن تهديها صديقًا ولو كان بحجم ربع ورقة توت.

لكن، جاء حفيدها ذات مساء، مراهق، وسيم، لا يفارق هاتفه.

ابتسم وهو يسأل:

– جدتي، كيف تقضين كل هذا الوقت وحدك؟ ألا تشعرين بالملل؟

أشارت إلى الفراشة البيضاء، حطّت على غصن التوت، وقالت:

– منذ جاءتني هذه الصغيرة، لم يعد بالي صامتًا كما كان.

ابتسم الحفيد، وأخرج هاتفه قائلاً:

– لديّ هدية لك أيضًا، سأعلّمك استخدام الذكاء الاصطناعي، ستجدين من يجيب عن أسئلتك، ويقرأ لك، ويساعدك على كتابة ما يدور في قلبك.

تأملت الجدة الفراشة وهي ترفرف في ضوء المغيب، ثم قالت:

– جميل أن نجد من يصغي إلى كلماتنا… لكن الأجمل أن نجد مَن يمنحها معنى

أغلق الحفيد هاتفه للحظة، اقترب منها، نظر الإثنان إلى الفراشة وهي ترتفع في السماء، شعرا أن الوحدة لا تنكسر بالكلمات وحدها، بل بحضورٍ صادق، ورفقةٍ تمنح القلب طمأنينته.

منذ ذلك اليوم، صار للمرأة صديقان؛ فراشةٌ تذكّرها بأن الفراغ قد يزهر حرية، وذكاءٌ اصطناعي يساعدها على تدوين تلك الحكاية، حتى تبقى شاهدةً على أن أجمل ما في الحياة ليس التقنية، بل القلب الذي يعرف كيف يستخدمها.