تشهد صناعة النبيذ في أستراليا مرحلة مفصلية بعد تسجيل أدنى حجم لحصاد العنب منذ عام 2000، في مؤشر يعكس التحديات الكبيرة التي تواجه القطاع نتيجة تراجع الطلب العالمي وتغير سلوك المستهلكين. وكشف تقرير National Vintage Report 2026 الصادر عن Wine Australia أن إجمالي محصول العنب المستخدم في صناعة النبيذ انخفض إلى نحو 1.27 مليون طن، أي أقل بنسبة 25% من متوسط الإنتاج خلال السنوات العشر الماضية، وهو ما سيؤدي إلى إنتاج نحو 33 مليون عبوة نبيذ أقل مقارنة بالأعوام المعتادة.
ويرى خبراء القطاع أن هذا الانخفاض لم يكن مفاجئًا، بل يمثل خطوة ضرورية لإعادة التوازن بين الإنتاج وحجم الطلب العالمي، خاصة مع استمرار فائض إنتاج النبيذ الأحمر في الأسواق الأسترالية. فعلى الرغم من الخسائر الاقتصادية التي تكبدها المزارعون والمناطق الريفية، فإن تقليص الإنتاج يُعد محاولة لتصحيح أوضاع السوق بعد سنوات من التخمة.
ولعبت الظروف المناخية دورًا إضافيًا في تقليص المحصول، إذ أثرت الفيضانات والصقيع وتأخر موسم الحصاد على الكميات المنتجة، إلا أن العامل الأساسي بقي ضعف الطلب العالمي على النبيذ، وهو ما دفع العديد من المنتجين إلى تقليل الإنتاج أو حتى التخلص من بعض مزارع الكروم.
وكان العنب الأحمر الأكثر تضررًا، حيث تراجع إنتاجه بنسبة 29% مقارنة بالعام الماضي، بينما انخفض إنتاج العنب الأبيض بنسبة 9% فقط. وللمرة الأولى منذ عقدين، يتصدر عنب شاردونيه قائمة أكثر الأصناف إنتاجًا، متجاوزًا عنب شيراز الذي ظل لسنوات طويلة رمزًا لصناعة النبيذ الأسترالية. ويعكس هذا التحول تغيرًا واضحًا في تفضيلات المستهلكين حول العالم، مع تزايد الإقبال على النبيذ الأبيض مقارنة بالأحمر.
وفي مناطق إنتاج شهيرة مثل McLaren Vale بجنوب أستراليا، أصبحت إزالة كروم العنب مشهدًا متكررًا. فالكثير من المزارعين لم يعودوا مستعدين لتحمل تكاليف الزراعة في ظل غياب رؤية واضحة للأسعار المستقبلية. لذلك بدأ عدد متزايد منهم في البحث عن بدائل زراعية مثل الرمان والزيتون والحبوب، بل وحتى زراعة القنب الصناعي، أملاً في تحقيق عوائد أكثر استقرارًا.
كما شهدت المنطقة تحولًا آخر يتمثل في تحويل بعض الأراضي الزراعية إلى مشاريع سكنية، الأمر الذي يغير تدريجيًا هوية واحدة من أشهر مناطق إنتاج النبيذ في البلاد.
من جانب آخر، طالب مزارعو العنب الحكومة الأسترالية بتقديم دعم مالي مؤقت يساعدهم على تجاوز الأزمة، سواء عبر تجميد القروض أو توفير برامج مساندة حتى تستقر الأسواق العالمية. ويؤكد المنتجون أن استمرار الضغوط الاقتصادية قد يدفع المزيد من المزارعين إلى مغادرة القطاع إذا لم يتم اتخاذ إجراءات داعمة خلال السنوات المقبلة.
ورغم الصورة القاتمة، لا تزال هناك مؤشرات إيجابية في بعض المناطق. فقد تمكنت منطقة كوناوارا، المشهورة بإنتاج عنب كابيرنيه سوفينيون، من الحفاظ على مستويات إنتاجها تقريبًا، حيث لم يتراجع المحصول سوى بنسبة طفيفة بلغت 0.5%. ويعزو المنتجون ذلك إلى استمرار الطلب العالمي على النبيذ الفاخر عالي الجودة، خاصة في أسواق التصدير.
ويؤكد خبراء الصناعة أن مستقبل قطاع النبيذ الأسترالي سيعتمد على إعادة هيكلة الإنتاج، والتركيز على الأصناف ذات الجودة العالية، إلى جانب التكيف مع المتغيرات العالمية في أنماط الاستهلاك، بما يضمن استدامة هذا القطاع الحيوي الذي يعد أحد أبرز صادرات أستراليا الزراعية.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

