يشير أحدث استطلاع للرأي الصادر عن معهد لوي لعام 2026 إلى أن شعور الأستراليين بعدم الأمان يتزايد في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، ما أعاد إلى الواجهة نقاشاً كان يُعتبر من المحرمات السياسية لعقود، وهو احتمال امتلاك أستراليا سلاحاً نووياً.

ووفقاً لنتائج الاستطلاع، يشعر أكثر من نصف الأستراليين بأن بلادهم أصبحت أقل أمناً مقارنة بالسنوات الماضية، بينما تراجعت الثقة في الولايات المتحدة، الحليف الأمني الأهم لأستراليا. كما ارتفعت نسبة من يعتقدون أن واشنطن قد لا تتدخل للدفاع عن أستراليا في حال تعرضها لهجوم، وهو ما يعكس حالة من القلق المتزايد تجاه مستقبل التحالفات التقليدية.

هذا المناخ الأمني دفع بعض الأصوات إلى طرح فكرة امتلاك أستراليا لقدرات نووية مستقلة باعتبارها وسيلة لتعزيز الردع، خاصة مع تنامي النفوذ العسكري الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. كما أظهر الاستطلاع انخفاض نسبة المعارضين بشدة لفكرة امتلاك سلاح نووي مقارنة بما كانت عليه قبل أربع سنوات.

لكن خبراء الأمن والدفاع يحذرون من أن امتلاك أستراليا أسلحة نووية لن يحقق الأمن الذي يتوقعه البعض، بل قد يضع البلاد أمام تحديات أكبر وأكثر تعقيداً. فامتلاك مثل هذه القدرات يتطلب استثمارات مالية هائلة تمتد لعقود، إضافة إلى تطوير منظومات إطلاق وتأمين وبنية تحتية عالية التقنية، وهو ما قد يستنزف جزءاً كبيراً من ميزانية الدفاع.

وتشير المقارنات مع دول مثل المملكة المتحدة إلى أن برامج الردع النووي تستهلك نسبة كبيرة من الإنفاق العسكري، الأمر الذي قد يجبر أستراليا على تقليص قدراتها العسكرية التقليدية مثل القوات البحرية والجوية، وهي القدرات التي تعتمد عليها في حماية مصالحها الإقليمية والاستجابة للأزمات الإنسانية والأمنية في المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا.

كما يرى محللون أن امتلاك السلاح النووي لن يمنع النزاعات المحدودة أو الأزمات الإقليمية، إذ يقتصر دوره على ردع الحروب الكبرى بين الدول النووية. وهذا يعني أن أستراليا ستظل بحاجة إلى قوات تقليدية قوية للتعامل مع التحديات الأمنية اليومية، سواء في حماية حدودها أو المشاركة في عمليات حفظ الاستقرار في المنطقة.

من ناحية أخرى، قد يؤدي دخول أستراليا النادي النووي إلى سباق تسلح إقليمي، حيث قد تسعى دول أخرى إلى تطوير برامج مماثلة، ما يزيد من مستويات التوتر ويضاعف مخاطر سوء التقدير أو وقوع حوادث نووية، فضلاً عن تعقيد العلاقات الدبلوماسية مع الشركاء الإقليميين.

وفي الوقت الذي يعكس فيه استطلاع لوي تنامي القلق الشعبي بشأن مستقبل الأمن الوطني، يؤكد العديد من الخبراء أن الحل لا يكمن في امتلاك أسلحة نووية، بل في تعزيز التحالفات الدولية، وتطوير القدرات الدفاعية التقليدية، والاستثمار في التكنولوجيا العسكرية الحديثة، بما يحافظ على أمن أستراليا واستقرار المنطقة دون الدخول في سباق تسلح جديد قد تكون كلفته السياسية والاقتصادية والأمنية باهظة.