في الوقت الذي بدأت فيه حركة الملاحة تعود تدريجياً عبر مضيق هرمز بعد التوصل إلى تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، تتعامل الحكومة الأسترالية مع الأزمة على أنها انتهت تقريباً، مستندة إلى تحسن مخزون الوقود وعودة شحنات النفط إلى مسارها الطبيعي. لكن الواقع يشير إلى أن التداعيات الاقتصادية الأعمق لم تبدأ بالانحسار بعد، بل ربما تكون في بدايتها.

صحيح أن أستراليا لا تعتمد بشكل مباشر على النفط الخام القادم من دول الخليج، إلا أنها تعتمد بصورة كبيرة على الوقود المكرر الذي تستورده من مصافي آسيوية تعتمد بدورها على النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز. وتشير التقديرات إلى أن نحو نصف احتياجات أستراليا من الديزل ترتبط بشكل غير مباشر بالنفط المنقول عبر هذا الممر البحري الحيوي، ما يجعل أي اضطراب فيه ينعكس سريعاً على الأسواق المحلية.

الحكومة سارعت خلال الأزمة إلى تعزيز احتياطيات الوقود وزيادة الاستثمار في المخزونات الاستراتيجية، وهي خطوات يراها كثيرون ضرورية، لكنها تعالج جانباً واحداً فقط من المشكلة. فالتحديات الحقيقية تمتد إلى قطاعات أخرى أكثر حساسية وأطول أثراً.

من أبرز هذه القطاعات الزراعة، إذ يمر نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية عبر مضيق هرمز. ومع تعطل الإنتاج في بعض منشآت الخليج، ارتفعت أسعار الأسمدة إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022، وهو ما ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج الزراعي في أستراليا، خصوصاً لمحاصيل رئيسية مثل القمح الشتوي الذي يعتمد في زراعته على الوقود والأسمدة معاً. وبينما يمكن تعويض نقص الوقود خلال أسابيع، فإن ارتفاع تكلفة الأسمدة يؤثر على موسم زراعي كامل ويترك آثاراً تمتد لأشهر.

ولا تتوقف التداعيات عند الزراعة، بل تمتد إلى الصناعات المستقبلية التي تراهن عليها أستراليا، مثل المعادن الحرجة والطاقة النظيفة. فالخليج يوفر نسبة كبيرة من تجارة الكبريت العالمية، وهو عنصر أساسي في إنتاج الأسمدة ومعالجة المعادن مثل النيكل والفوسفات. ومع تراجع الإمدادات وفرض بعض الدول قيوداً على الصادرات، بدأت مصانع في دول آسيوية مثل إندونيسيا التحذير من خفض الإنتاج، الأمر الذي قد يؤثر على سلاسل التوريد التي تعتمد عليها الصناعات الأسترالية.

وتواجه أستراليا مفارقة اقتصادية لافتة؛ فارتفاع أسعار الطاقة العالمية قد يزيد من عائدات صادراتها من الغاز الطبيعي والفحم، لكنه في المقابل يرفع تكلفة تطوير مشاريع المعادن الحرجة والطاقة المتجددة التي تسعى البلاد إلى الاعتماد عليها مستقبلاً.

تكشف أزمة مضيق هرمز أن مفهوم الأمن الاقتصادي لم يعد يقتصر على تأمين مخزون الوقود فقط، بل يشمل أيضاً حماية سلاسل الإمداد الخاصة بالغذاء والمعادن والمواد الأولية. فالتحدي الحقيقي أمام أستراليا لا يكمن في عدد أيام احتياطيات الديزل، وإنما في تقليل اعتمادها على ممرات بحرية وموردين محدودين قد يتحول أي اضطراب فيها إلى أزمة اقتصادية واسعة النطاق. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة لوضع استراتيجية أشمل تعزز مرونة الاقتصاد وتحد من المخاطر التي تهدد القطاعات الحيوية في المستقبل.