تشير التوقعات الجديدة إلى أن سوق العقارات الأسترالي يتجه إلى مرحلة أكثر هدوءاً خلال العام المالي المقبل، مع احتمال تسجيل أكبر التراجعات في أسعار المنازل داخل سيدني وملبورن، بينما تواصل مدن أخرى مثل بريزبن وأديلايد وبيرث تحقيق نمو متفاوت.
وبحسب أحدث التقديرات، قد تنخفض القيمة المتوسطة للمنازل في سيدني بما يصل إلى 122 ألف دولار أسترالي خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، في حين قد تهبط أسعار المنازل في ملبورن إلى أقل من مليون دولار للمرة الأولى منذ سنوات. كما يُتوقع أن تواجه كانبيرا ضغوطاً مماثلة، وإن كانت أقل حدة.
ويأتي هذا التباطؤ بعد فترة طويلة من الارتفاعات القياسية التي شهدها السوق العقاري، إذ بدأت مؤشرات الأسعار في الاستقرار خلال الأشهر الأخيرة، مع تراجع واضح في نشاط المزادات وانخفاض الطلب في بعض المدن الكبرى.
ويرى خبراء العقارات أن السبب الرئيسي يعود إلى ارتفاع أسعار الفائدة، التي قلصت قدرة المشترين على الاقتراض، إلى جانب التغييرات الضريبية التي أثرت في قرارات المستثمرين، وهو ما أدى إلى انخفاض الإقبال على شراء المنازل، خاصة في الأسواق الأعلى سعراً مثل سيدني وملبورن.
في المقابل، لا تزال المدن ذات الأسعار الأكثر اعتدالاً تحافظ على أداء أفضل، حيث يتوقع استمرار ارتفاع الأسعار في بريزبن وأديلايد وبيرث، مستفيدة من الطلب المحلي وتكاليف السكن الأقل مقارنة بالمدينتين الأكبر.
كما تشير التوقعات إلى أن الشقق السكنية ستتفوق في أدائها على المنازل المستقلة خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع توجه عدد متزايد من المشترين لأول مرة نحو هذا الخيار الأقل تكلفة. وتلعب برامج دعم المشترين الجدد وارتفاع أسعار المنازل دوراً في زيادة الإقبال على الشقق، خاصة في سيدني وبريزبن وبيرث.
ورغم الحديث عن “تصحيح” في السوق، يؤكد اقتصاديون أن الانخفاضات الحالية لا ترقى إلى مستوى التصحيح الحقيقي، الذي يتطلب عادة هبوطاً يتجاوز 10% في الأسعار. وحتى في السيناريوهات الأكثر تشاؤماً، لا تشير التوقعات إلى وصول التراجع إلى هذه النسبة.
ويعتقد الخبراء أن هناك عوامل تحد من الهبوط الكبير، من بينها استمرار نقص المعروض من المساكن في أستراليا، إضافة إلى ارتفاع تكاليف البناء، الأمر الذي يجعل شراء منزل قائم أقل تكلفة من بناء منزل جديد. كما أن العديد من البائعين يفضلون سحب عقاراتهم من السوق بدلاً من بيعها بأسعار أقل من توقعاتهم.
وفي الوقت نفسه، تكشف بيانات حديثة أن غالبية أصحاب المنازل الذين باعوا عقاراتهم هذا العام حققوا أرباحاً، إذ إن نحو 96% من عمليات إعادة البيع انتهت بمكاسب مالية، وهي أعلى نسبة تُسجل منذ أكثر من عقدين. وبلغ متوسط الربح نحو 377 ألف دولار، بينما اقتصرت الخسائر على نسبة صغيرة من العقارات التي تم شراؤها خلال ذروة الأسعار في عامي 2021 و2022.
وتشير الدراسات أيضاً إلى أن أكثر الضواحي تراجعاً في الأسعار تتركز داخل سيدني وملبورن، خاصة في المناطق الشرقية والشواطئ الشمالية لسيدني وبعض الضواحي الشرقية في ملبورن، ما يعكس تفاوت أداء السوق بين منطقة وأخرى.
أما بالنسبة لسوق الإيجارات، فرغم المخاوف من أن تؤدي التعديلات الضريبية إلى ارتفاع الإيجارات نتيجة خروج بعض المستثمرين من السوق، يرى عدد من الاقتصاديين أن تأثير هذه التغييرات سيكون محدوداً، وقد لا يؤدي إلى زيادات كبيرة في الإيجارات خلال الفترة المقبلة.
وبشكل عام، يبدو أن سوق العقارات الأسترالي يدخل مرحلة أكثر توازناً بعد سنوات من الارتفاعات السريعة، مع اختلاف واضح في أداء المدن والقطاعات العقارية، بينما سيظل مسار أسعار الفائدة والسياسات الحكومية العاملين الأكثر تأثيراً في اتجاه السوق خلال الأشهر المقبلة.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

