تشهد أوروبا هذا الصيف موجة حر استثنائية دفعت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في عدد من الدول، وأثارت مخاوف متزايدة بشأن تأثيرات التغير المناخي على حياة السكان. وبينما تكافح مدن أوروبية عديدة للتعامل مع الحرارة المرتفعة، يرى خبراء أن أستراليا، التي اعتادت على صيف شديد السخونة لعقود طويلة، قد تقدم دروساً مهمة يمكن الاستفادة منها في مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.
في الأيام الأخيرة، سجلت عدة دول أوروبية درجات حرارة غير مسبوقة. فقد تجاوزت الحرارة في بعض مناطق فرنسا 44 درجة مئوية، بينما شهدت بريطانيا أعلى درجة حرارة لشهر يونيو على الإطلاق. كما أصدرت السلطات الإيطالية تحذيرات صحية قصوى في عدد من المدن الكبرى، في حين سجلت إسبانيا أعلى متوسط يومي لدرجات الحرارة خلال يونيو منذ عقود.
ورغم أن الأستراليين يواجهون موجات حر متكررة كل عام تقريباً، إلا أن الخبراء يؤكدون أن الأمر لا يتعلق فقط بقدرة الجسم على التكيف، بل أيضاً بثقافة التعامل مع الحرارة. فالسكان في أستراليا اعتادوا على اتخاذ إجراءات وقائية مثل ارتداء القبعات، استخدام وسائل الحماية من الشمس، والحد من الأنشطة الخارجية خلال ساعات الذروة.
ويشير مختصون في الصحة العامة إلى أن هناك حدوداً لقدرة الإنسان على تحمل الحرارة، مهما كانت درجة اعتياده عليها. لكن الوعي المجتمعي يلعب دوراً أساسياً في تقليل المخاطر الصحية الناتجة عن الطقس الحار، وهو جانب ما زالت بعض الدول الأوروبية بحاجة إلى تطويره مع تزايد موجات الحر.
ولا يقتصر الأمر على السلوك الفردي فقط، بل يمتد إلى تصميم المباني والمنازل. ففي أستراليا، خصوصاً في المناطق الحارة، تم تطوير أنماط معمارية تراعي التهوية الطبيعية وتوفير الظل وتقليل احتجاز الحرارة داخل المنازل. ومن أبرز الأمثلة المنازل التقليدية في ولاية كوينزلاند، التي تُبنى مرتفعة عن سطح الأرض وتحيط بها الشرفات الواسعة، ما يساعد على تبريدها بشكل طبيعي.
في المقابل، صُممت العديد من المنازل الأوروبية، خصوصاً في المناطق الباردة، بهدف الاحتفاظ بالدفء خلال الشتاء. ورغم أن العزل الحراري يقلل استهلاك الطاقة، إلا أنه قد يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل المنازل خلال فترات الحر الشديد إذا لم تُراعَ متطلبات التبريد والتظليل.
كما يؤكد الخبراء أن التكيف مع المناخ المتغير يتطلب تحديث القوانين والمعايير الخاصة بالبناء والإسكان، بحيث تضمن قدرة المنازل على مواجهة درجات الحرارة القصوى. ورغم انتشار أجهزة التكييف في أستراليا بنسبة أكبر من أوروبا، فإن المختصين يحذرون من الاعتماد عليها وحدها، لأنها تزيد استهلاك الطاقة وترفع تكاليف المعيشة، خاصة للأسر ذات الدخل المحدود.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة حول العالم، تبدو الحاجة ملحة إلى تبني حلول شاملة تجمع بين التخطيط العمراني الذكي، وتصميم المباني الملائم للمناخ، وتعزيز الوعي المجتمعي. وفي هذا السياق، قد تجد أوروبا في التجربة الأسترالية نموذجاً عملياً يساعدها على التكيف مع واقع مناخي جديد أصبح أكثر حرارة وتحدياً من أي وقت مضى.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

