مع تزايد التحديات الأمنية العالمية، لم تعد التهديدات التقليدية وحدها هي مصدر القلق للدول. فهناك نوع جديد من المخاطر يُعرف بالتهديدات الهجينة، وهي مزيج من الهجمات السيبرانية، وحملات التضليل الإعلامي، والضغوط الاقتصادية والسياسية، والتدخلات الأجنبية التي تستهدف إضعاف الدول والمؤسسات من الداخل. وفي ظل تصاعد هذه التهديدات في منطقتي أوروبا والمحيطين الهندي والهادئ، تبرز الحاجة إلى تعاون دولي أكثر تنسيقاً وفاعلية.
يرى خبراء الأمن أن أستراليا والاتحاد الأوروبي يمتلكان فرصة فريدة لقيادة مبادرة مشتركة تهدف إلى بناء إطار تعاون عابر للمناطق لمواجهة هذه التهديدات المتزايدة. فرغم البعد الجغرافي بين الطرفين، إلا أن المصالح الأمنية المشتركة والتحديات المتشابهة جعلت التقارب الاستراتيجي بينهما أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وقد أدت التحركات المتزايدة لبعض القوى الكبرى واستخدامها أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والتكنولوجي إلى دفع العديد من الدول لإعادة التفكير في آليات التعاون الأمني. فالتجارب الأخيرة أظهرت أن الدول الأكثر عرضة للمخاطر ليست بالضرورة القوى الكبرى، بل الدول الصغيرة أو الأنظمة التي تفتقر إلى القدرات الكافية للتصدي لهذه التحديات المعقدة.
ومن هنا تبرز أهمية إنشاء منصة تعاون تجمع بين الحكومات والشركاء الإقليميين لتبادل المعلومات والخبرات وتطوير القدرات الدفاعية. وتشمل الدول التي يمكن أن تلعب دوراً مهماً في هذا الإطار دولاً آسيوية مثل سنغافورة وإندونيسيا وماليزيا والفلبين، إضافة إلى اليابان وكوريا الجنوبية والهند، فضلاً عن دول جزر المحيط الهادئ التي تواجه تحديات أمنية متزايدة.
خلال السنوات الأخيرة، وقع الاتحاد الأوروبي اتفاقيات شراكة أمنية ودفاعية مع عدد من دول منطقة المحيطين الهندي والهادئ، من بينها أستراليا واليابان والهند وكوريا الجنوبية. كما استثمر في برامج ومبادرات تهدف إلى تعزيز الأمن البحري، وتحسين تبادل المعلومات، وتطوير البنية التحتية الحيوية.
ورغم وجود عشرات المبادرات الأمنية الإقليمية حالياً، إلا أن معظمها يركز على مجالات محددة مثل الأمن السيبراني أو الأمن البحري، بينما تتطلب التهديدات الهجينة مقاربة شاملة تربط بين مختلف القطاعات الأمنية والتكنولوجية والإعلامية.
وتتمتع أستراليا بخبرة مهمة في هذا المجال، خاصة من خلال المبادرات التي أطلقتها لمواجهة التدخلات الأجنبية وتعزيز التعاون مع حلفائها وشركائها الدوليين. ويمكن لهذه الخبرة، إلى جانب الموارد والخبرات الأوروبية، أن تشكل أساساً قوياً لإنشاء إطار تعاون جديد قادر على تعزيز المرونة الأمنية في المنطقة.
وفي حال نجاح هذه المبادرة، فإنها قد تسهم في تحويل شبكة العلاقات الثنائية المتفرقة إلى منظومة تعاون أكثر تكاملاً، قادرة على مواجهة التحديات الأمنية الحديثة وتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي في مواجهة التهديدات الهجينة المتنامية.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

