تواصل السينما الأسترالية ترسيخ مكانتها العالمية في أفلام الرعب، وهذه المرة من خلال فيلم «ليفيتيكوس» (Leviticus)، العمل الأول للمخرج الأسترالي أدريان كياريلا، الذي نجح في جذب الأنظار منذ عرضه الأول في مهرجان صندانس السينمائي، أحد أهم المنصات العالمية للأفلام المستقلة.
نشأ كياريلا في سيدني وسط عائلة متعددة الثقافات، فوالده من أصول إيطالية ووالدته من أصول صينية. هذا التنوع الثقافي جعله يدرك مبكراً أن الفكاهة ليست دائماً لغة مشتركة بين الناس، بينما يبقى الخوف شعوراً إنسانياً يفهمه الجميع بغض النظر عن خلفياتهم أو معتقداتهم. ومن هذه الفكرة انطلق لتقديم فيلم يجمع بين الرعب والدراما الإنسانية في قصة مختلفة عن المعتاد.
تدور أحداث الفيلم حول المراهق نعيم، البالغ من العمر 17 عاماً، الذي تتغير حياته بعد تطور مشاعره تجاه زميله في المدرسة رايان. وبعد مواجهة مع واعظ يدعم ما يُعرف بـ«علاج التحويل»، يجد الشابان نفسيهما مطاردين من كيان غامض يتخذ شكل أكثر شخص يرغبان فيه. ومن خلال هذا البناء الدرامي، لا يقدّم الفيلم المثلية الجنسية كعنصر مخيف، بل يسلط الضوء على الخوف والكراهية والرفض الاجتماعي باعتبارها الوحش الحقيقي.
المخرج أوضح أن هدفه لم يكن تقديم فيلم رعب تقليدي، بل استخدام هذا النوع السينمائي لاستكشاف ظاهرة رهاب المثلية وكيف يمكن للخوف من الاختلاف أن يؤثر في حياة الناس. واستلهم كثيراً من تجاربه الشخصية خلال دراسته في مدرسة دينية للبنين، إضافة إلى مشاهداته لمواقف حقيقية عاشها أشخاص مقربون منه.
نجاح «ليفيتيكوس» لا يُعد حالة منفردة، بل يأتي ضمن موجة متصاعدة من أفلام الرعب الأسترالية التي حققت حضوراً عالمياً خلال السنوات الأخيرة. وتلعب شركة Causeway Films دوراً مهماً في هذا النجاح بعد دعمها لأعمال بارزة مثل «The Babadook» و«Talk To Me»، ما ساهم في إبراز مواهب أسترالية جديدة على الساحة الدولية.
ويتميز الفيلم أيضاً بتجنبه النهاية المأساوية التقليدية التي كثيراً ما تواجه الشخصيات المثلية في السينما، حيث حرص صُنّاعه على تقديم قصة تحمل قدراً من الأمل والإنسانية. كما أضافت الموسيقى الختامية، التي جاءت بصوت الفنان الأمريكي فرانك أوشن، لمسة عاطفية عززت تأثير الفيلم لدى الجمهور.
ويأمل كياريلا أن يترك فيلمه أثراً يتجاوز حدود الشاشة، خاصة لدى الشباب الذين يبحثون عن قصص تعكس تجاربهم وتمنحهم شعوراً بالانتماء. بالنسبة له، فإن النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في تحقيق الإيرادات أو الجوائز، بل في أن يجد المشاهد نفسه داخل القصة ويشعر بأنه مرئي ومفهوم.
بهذا العمل، تؤكد السينما الأسترالية مرة أخرى قدرتها على توظيف الرعب كأداة فنية لمعالجة قضايا اجتماعية وإنسانية عميقة، وتحويل الخوف من مجرد وسيلة للإثارة إلى رسالة تحمل الكثير من التأمل والأمل.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

