بقلم جوسلين شربل بدوي- سدني
في لحظةٍ تاريخيّة مباركة، انتظرتها القلوب المؤمنة بفرحٍ وصلواتٍ ودموع رجاء، وأيضاً باعتزازٍ يفوق الكلمات، تُعلن بكل فخر الجمعيّة اللبنانية لراهبات العائلة المقدّسة المارونيّات ولاسيما في سيدني، خبر تطويب أبيها المؤسس البطريرك إلياس الحويّك، شفيع العائلة والكهنة ولبنان، وذلك بعدما زفَّ قداسة الباب لاوُن الرابع عشر البشرى السارّة بإعلانه طوباويًّا في ٢٢ أيار ٢٠٢٦ على ان يتم قريباً تحديد يوم الاحتفال بالتطويب في شهر تموز الحالي، تزامناً مع عيد شفيعه مار الياس. إنّه يوم مجيد للبنان المزروع بقلب القداسة، وبركة من نعم السماء لرسالة حيّة إمتدت من لبنان إلى مختلف أقطار العالم، منها استراليا، حاملةً نور الإيمان والخدمة والمحبة.
تهانينا لراهباتنا الفاضلات، راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات في سيدني، مثال الإيمان الصادق، المحبة المتفانية، والخدمة المملوءة رحمةً وعطاءً. إذ عشنَ روحانيّة مؤسّسهنّ البطريرك الياس الحويك بأمانةٍ، وحملنَ رسالته بالمحبّة والتواضع ، وسرنَ على تعاليمه بروح الخدمة والعطاء. فكانت إنجازاتهنّ شاهدًا حيًّا على نجاح رسالتهنّ، وأثمرت أعمالًا مباركة وقيمة تشهد لإنجيل الخدمة الحقيقيّة. وذلك من خلال تأسيس المدارس في سيدني، ومنها مدرسة مار مارون
(St Maroun’s College-Dulwich Hill)،
وكلية العائلة المقدّسة المارونيّة
(Maronite College of the Holy Family-Harris Park)، اللتين أنارتا دروب الأجيال بالعلم والإيمان، وساهمتا في الحفاظ على اللغة العربيّة وعاداتنا وتراثنا الكنسيّ المارونيّ. اضافة الى دور الرعاية والمسنّين
(The Maronite Sisters of The Holy Family Village- Marrickville & Dulwich Hill) اللتين احتضنتا الإنسان بعناية وكرامة، لتكون امتدادًا حيًّا لرسالة الرحمة والخدمة، التي حملتها الراهبات بأمانةٍ وتفانٍ. وهكذا تركنَ بصمةَ خيرٍ وعطاءٍ في كلّ مكانٍ حللنَ فيه، وشهدت أعمالهنّ على محبّةٍ صادقة تترجم إيمانًا حيًّا وخدمةً إنسانيّةً نبيلة
إن تطويب البطريرك إلياس الحويّك يشكّل تكريمًا لمسيرةٍ من القداسة والعطاء، ورسالةَ رجاءٍ لوطنٍ يعتزّ بإرثه الوطني والروحي والإنساني. يُنظر إلى البطريرك الحويّك في التاريخ اللبناني كشخصية محورية جمعت بين القيادة الدينية والعمل الوطني في مرحلة تأسيس الكيان اللبناني. حمل وطنه، كنيسته، وشعبه في قلبه، وفي صلاته وتضحياته، لتختلط القداسة بالتاريخ فيبرز لا كرجل كنيسة فحسب، بل كأحد ابرز صانعي هوية لبنان الحديث. اذ لعب دوراً محورياً وسياسياً، بتأسيس دولة لبنان الكبير عام ١٩٢٠، وشكّل مرجعيّةً وطنيّةً جامعةً لكلّ الطوائف والمذاهب، فوحّد القلوب حول قيم الإيمان والوطن، ليترك بصمة راسخة في تاريخ لبنان الحديث.
جرت العادة أن يُدفن البطاركة الموارنة في المقر البطريركي، إلا أن راهبات العائلة المقدسة المارونيات تمسكن برغبة نقل جثمان البطريرك الحويك من بكركي إلى الدير الام في عبرين، لما كان يجمعه بهن من علاقة روحية عميقة. وكان البطريرك الدويهي يعبّر عن محبته الخاصة لهذا الدير بقوله: «إن قلبي في عبرين» وقد استمر إصرار الراهبات على تحقيق هذه الرغبة مدة خمس سنوات، إلى أن تم نقل الجثمان في ١٢ ايار سنة ١٩٣٦. وعندما فُتح التابوت استعدادًا لنقله، فوجئ الحاضرون بأن الجثمان ما زال محفوظًا، لم يطرأ عليه اي تغيير ولم تظهر عليه علامات التحلل المعتادة، الأمر الذي ترك أثرًا كبيرًا في نفوس المؤمنين. هكذا خلافاً للعادة المتبعة دفن البطريرك الحويّك في الدير الأم للرهبنة التي أسسها.
أما العجائب المنسوبة إليه، فقد بدأت تظهر بعد عشرة أيام من وفاته، غير أن الكنيسة الكاثوليكية، في إطار إجراءاتها الدقيقة لإعلان القداسة، تشترط الاعتراف بعجيبة مثبتة وموثقة طبيًا. إلى أن تحققت أعجوبة منسوبة إلى شفاعته، اعتمدها الكرسي الرسولي في روما عام 2005، وكانت قد حدثت مع نايف أبو عاصي، وهو عنصر في الجيش اللبناني ينتمي إلى الطائفة الدرزية ومن بلدة حاصبيا في جنوب لبنان. تكتسب هذه الحادثة دلالة خاصة، إذ تعكس الرسالة الروحية والوطنية للبطريرك الحويك، الذي لم يفرّق يومًا بين اللبنانيين، بل نظر إليهم جميعًا بمحبة أبوية جامعة، تتجاوز الانتماءات الطائفية.
هو البطريرك العظيم الذي أرسلته العناية الالهية لوطننا، وصاحب الالقاب المتعددة: “رجل العظائم” “بطريرك الاستقلال ولبنان الكبير”، “أب لبنان الكبير”. وقد لخّص نهجه الوطني والروحي بقوله: «أنا بطريرك الموارنة، لكنّني بطريرك لبنان»، في تعبيرٍ صادقٍ عن إيمانه بوحدة الوطن ورسالة العيش المشترك، اذ كان يؤمن أن الوطن يتسع للجميع مسيحيين ومسلمين. فالبطريرك الحويك ناضل كثيرا في سبيل لبنان وأراد أن يعلمنا كيف تكون محبة الأوطان، ونحن كلبنانيين مهما كانت الصعوبات لا يمكننا أن نضحي بهذا الوطن الوحيد بنوعه ورسالته في كل الشرق.
هو صاحب المقولة الشهيرة”طائفتي لبنان”. خلال لقائه مع رئيس الوزراء الفرنسي “جورج كليمنصو”عام 1919، قُبيل ذهابه لتمثيل لبنان في مؤتمر الصلح للمطالبة باستقلال لبنان الكبير، سأله المسؤولون الفرنسيون باستغراب عن سبب دفاعه عن غير طائفته، فأجابهم بعبارته التاريخية: «أنا بطريرك الموارنة، طائفتي لبنان، وأنا لكل اللبنانيين». هكذا أطلق الانتماء للوطن ليس من الدين ولا الطائفة بل من المواطنة. كم نحن اليوم أحوج إلى رجالٍ لبنانيين وطنيين من طينة ذلك القائد، يحملون لبنان في قلوبهم قبل طوائفهم، لا ينصاعوا لقوى خارجية، لا ولاء لهم إلا للبنان، ليوقفوا نزيفه ويستعيدوا له كرامته، سيادته، قراره الحر، ودوره بين الأمم.
نشكر الرب على الإرث الذي تركه البطريرك الحويك للبنان، ومباركٌ هذا اليوم الذي فاضت فيه قلوب المؤمنين فرحًا وابتهاجًا، ولا سيّما راهبات العائلة المقدسة اللواتي أكنّ لهنّ كل محبةٍ وتقديرٍ وامتنان، أنتنَّ شموعُ رجاء، ورسالةُ محبّةٍ حيّة تحمل روحَ مؤسّسكنّ بكل فخر وأمانة، ومباركةٌ هذه الرسالة التي ستبقى نورًا متقدًا للأجيال القادمة، تهدي الدروب، وتغذّي الإيمان، وتُرسّخ القيم التي بُني عليها لبنان الرسالة.
وكلنا رجاء وثقة ان يكون التطويب خطوةً تسبق إعلان قداسته قريبًا، ليُضاف اسمه إلى سجلّ القدّيسين الذين أناروا دروب الكنيسة ووطننا الحبيب لبنان.


