شهد جنوب لبنان تطوراً عسكرياً لافتاً بعد إعلان إسرائيل سيطرتها على قلعة الشقيف التاريخية، المعروفة أيضاً باسم “قلعة بوفور”، في عملية عسكرية وصفت بأنها الأعمق داخل الأراضي اللبنانية منذ أكثر من ربع قرن. وتقع القلعة على مرتفع جبلي استراتيجي قريب من الحدود الإسرائيلية ومدينة النبطية، ما يجعلها نقطة مراقبة ذات أهمية عسكرية كبيرة.
وجاءت العملية بعد أيام من الاشتباكات والغارات الجوية التي شهدتها قرى ومناطق مجاورة، ضمن المواجهات المستمرة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله. ويرى مراقبون أن السيطرة على القلعة تمثل مكسباً ميدانياً مهماً لإسرائيل في الحرب الحالية، خصوصاً أنها جاءت رغم وجود وقف إطلاق نار معلن، وقبل أيام من محادثات سياسية مرتقبة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن.
وتحمل قلعة الشقيف قيمة تاريخية استثنائية، إذ يعود تاريخ بنائها إلى القرن الثاني عشر الميلادي، وتحديداً عام 1137 تقريباً. وعلى مر القرون خضعت لسيطرة قوى وإمبراطوريات متعددة، من بينها الأيوبيون والمماليك والعثمانيون، كما استخدمت خلال فترات مختلفة لأغراض عسكرية ودفاعية بسبب موقعها الفريد الذي يطل على مناطق واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين.
وكانت القلعة قد لعبت دوراً محورياً خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، عندما كانت إحدى أهم مواقع منظمة التحرير الفلسطينية. وبعد معارك عنيفة سيطرت عليها القوات الإسرائيلية وبقيت تحت الاحتلال نحو 18 عاماً قبل الانسحاب منها عام 2000.
وفي العملية الأخيرة، تقدمت قوات من لواء “غولاني” الإسرائيلي عبر المرتفعات المحيطة بالقلعة وسيطرت عليها دون مقاومة مباشرة داخل الموقع، بحسب الرواية الإسرائيلية. وأعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن الهدف من العملية كان فرض السيطرة على المنطقة المرتفعة المحيطة بالقلعة وإضعاف البنية العسكرية التابعة لحزب الله في تلك الجبهة.
وتمنح السيطرة على القلعة الجيش الإسرائيلي نقطة إشراف واسعة على أجزاء كبيرة من جنوب لبنان وشمال إسرائيل، وهو ما يفسر الأهمية العسكرية الكبيرة للموقع. كما أن المرتفعات المحيطة بها كانت تُستخدم في السابق لمراقبة التحركات العسكرية وإطلاق الهجمات، ما يجعلها هدفاً استراتيجياً في أي مواجهة تدور على الحدود بين البلدين.
ورغم أن القلعة تُعد معلماً تاريخياً وسياحياً مهماً، فإن موقعها الجغرافي جعلها على الدوام جزءاً من حسابات الصراع العسكري في المنطقة، لتبقى شاهداً على قرون من الحروب والتحولات السياسية التي شهدها الشرق الأوسط.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

