
كم هو ظالم المجتمع العربي وكم هو مجحف عندما يجيد لعبة التنمّر ، وأبرز مثال عليه في ما وقع لممثلة مغربية مقتدرة، من سيدات المسرح والتلفزيون؛ ذنبها الوحيد أنها ترشّحت للبرلمان، كغيرها من المواطنات والمواطنين الذين يحقّ لهم ذلك قانونيًا ودستوريًا.
فما إن جاهرت الممثلة برغبتها في الترشح وبدأت صورها تظهر في المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، حتى صارت السهام توجه إليها من كل حدب وصوب. وامتلأت التدوينات بعبارات التهكم على الممثلة المعنية، فاطمة وشاي. ولم يتردد البعض في القول إن مكانها الأنسب هو المطبخ فقط والأدوار الهزلية البسيطة، واستصغر المتهجّمون مكانتها ووجودها المحتمل في البرلمان، متوقّعين لها الفشل الذريع في الانتخابات… فخاب سعيهم، وتحقق لها ما تمنّت!
طبعًا، ونحن نروي ما وقع لفاطمة وشاي نستبعد العبارات القدحية الحاطّة من الكرامة الإنسانية التي «اقترف» بها بعض «الكتبة» منشوراتهم المقيتة. وغالب الظن أن دافعهم في ذلك يرجع إلى سببين اثنين:
أولهما، كوْن الفنانة المعنية معروفة بمواقفها وتصريحاتها التي تدافع عن القيم المغربية الأصيلة وترفض الابتذال والإسفاف في الفن كما في الحياة.
والسبب الثاني لهجمات «التنمّر»، أن فاطمة وشاي ترشّحت باسم حزب لا يسلم بدوره من سخرية الساخرين وتندّر المُتندّرين، هو حزب «العدالة والتنمية». ولو أنها تدثّرت برداء حزبي آخر لما التفت إليها أحد، على العكس من ذلك سوف تنال أطنانًا من المديح. والتاريخ السياسي القريب شاهدٌ على ذلك.
غير أن الحملة الافتراضية السلبية تجاه الممثلة وشاي لم يكن لها أي تأثير على أرض الواقع، فكان الفوز من نصيبها رغم أنف الشامتين… الشاتِمين!
والمشهد الثاني حصل يوم الثلاثاء الماضي 29 سبتمبر (أيلول) حين كلَّف الملك محمد السادس السيدةَ فاطمة الزهراء المنصوري، القيادية في «حزب الأصالة والمعاصرة»، الذي تصدَّر انتخابات مجلس النواب، تشكيلَ الحكومة الجديدة.
رئيسة الحكومة المغربية المكلفة، فاطمة الزهراء المنصوري، ليست من هواة السياسة العابرين، لكنَّها جمعت العلمَ والعمل والخبرة من كل أطرافها؛ فهي قياديةٌ بارزةٌ في «حزب الأصالة والمعاصرة .
المراقبون والمعلّن هللوا لهذا التعيين قائلين :”تولّي سيدةٍ عربية رئاسةَ حكومةٍ في دولة عربية هو ومضةُ تفاؤلٍ وأمل في دنيانا التي تتعالَى فيها الأصواتُ المبحوحة، التي لا تنطق ألسنتُها إلا بالتهوين من قيمة المرأة، والطعنِ في قدراتها، وتدعو إلى معاملتها بدونيةٍ مهينة، وترشُّ على ذلك غبارَ ما تاهَ في ماضٍ مات. الحدثُ المغربيُّ كبيرٌ «بالزاف»… الزهراءُ تشرق في المغرب.
المشهد الأخير مرّ مروراً كريماً لأن الملك هو بطل التعيين، رغم أن الفاطمتين تحملان كل صفات الكفاءة والمقدرة.


