تتحرك الحكومة الأسترالية نحو مرحلة جديدة من تنظيم منصات التواصل الاجتماعي، بعد طرح مشروع قانون Digital Duty of Care الذي يهدف إلى إلزام الخدمات الرقمية بالتعرف مسبقاً على المخاطر المحتملة واتخاذ خطوات معقولة للحد منها، مع اهتمام خاص بحماية الأطفال والمراهقين من الأضرار التي قد يتعرضون لها عبر الإنترنت.

ومن أبرز الأفكار التي صاحبت المشروع مبادرة “My Feed, My Way”، التي تسعى إلى منح المستخدمين الذين تبلغ أعمارهم 16 عاماً فأكثر مزيداً من التحكم في المحتوى الذي يظهر أمامهم. وقد جرى تقديم الفكرة إعلامياً باعتبارها أشبه بإمكانية «إيقاف الخوارزمية»، بحيث يستطيع المستخدم الاعتماد على منشورات الحسابات التي يتابعها وترتيبها زمنياً بدلاً من المحتوى الذي تقترحه المنصة.

لكن القضية أكثر تعقيداً من مجرد زر تشغيل وإيقاف. فالمنصات الرقمية لا تعتمد على خوارزمية واحدة، بل تستخدم أنظمة متعددة لترتيب المحتوى، واكتشاف الرسائل المزعجة، وإدارة الإعلانات، ومراقبة المحتوى المخالف، وتقديم التوصيات ونتائج البحث.

لذلك، فإن المشكلة الأساسية ليست وجود الخوارزميات نفسها، وإنما الطريقة التي تُصمم بها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. فعندما تُبنى أنظمة التوصية بهدف زيادة الوقت الذي يقضيه المستخدم أمام الشاشة أو رفع التفاعل والعائدات الإعلانية، قد تظهر آثار سلبية. وفي المقابل، يمكن تصميم الأنظمة نفسها بحيث تعطي أهمية أكبر للسلامة وجودة المحتوى ورفاهية المستخدم.

وتشير تجربة YouTube مع حسابات الأطفال والمراهقين إلى إمكانية تعديل أنظمة التوصية لتقليل تكرار بعض أنواع المحتوى الذي قد يصبح ضاراً عند مشاهدته بكثافة، حتى عندما لا يخالف هذا المحتوى قواعد المنصة بشكل مباشر.

كما أن الانتقال إلى عرض المنشورات بترتيب زمني لا يعني التخلص تماماً من الخوارزميات. فالمنصة ما زالت بحاجة إلى تحديد المحتوى المسموح بعرضه، واستبعاد المحتوى المخالف أو المزعج، وتنظيم الإعلانات والتعامل مع كميات هائلة من المنشورات.

وقد يكون منح المستخدم خيارات أوسع أكثر فائدة من الاكتفاء بخيارين فقط: التوصيات الآلية أو الترتيب الزمني. فمن الممكن مثلاً السماح للمستخدم بتحديد الحسابات والمصادر التي يفضلها، أو التحكم بصورة أوضح في أسباب ترتيب المنشورات، أو اختيار أنواع مختلفة من الخلاصات.

وفي النهاية، فإن النقاش الحقيقي حول مستقبل وسائل التواصل الاجتماعي في أستراليا لا يتعلق بإلغاء «الخوارزمية»، بل بكيفية جعل أنظمة التوصية أكثر شفافية وأماناً، ومنح المستخدم سيطرة حقيقية على تجربته الرقمية، مع تحميل المنصات مسؤولية أكبر عن الطريقة التي تصمم بها هذه الأنظمة وتأثيرها على المجتمع.