رغم المسافة الهائلة التي تفصل بين أستراليا وكندا، فإن البلدين يواجهان تحدياً مشتركاً يتمثل في حماية وإدارة مناطق شمالية شاسعة ونائية، حيث تصبح المسافات الطويلة وقلة البنية التحتية والظروف المناخية القاسية عوامل مؤثرة في التخطيط الدفاعي واللوجستي.
وقد سلط التعاون الدفاعي الجديد بين البلدين الضوء على هذا التشابه، بعدما أبرمت كندا اتفاقاً مع أستراليا بقيمة 2.5 مليار دولار كندي للحصول على تكنولوجيا الرادار الأسترالية المتطورة من نوع «ما وراء الأفق»، والمستندة إلى الخبرة التي اكتسبتها أستراليا من شبكة Jindalee Operational Radar Network المعروفة اختصاراً باسم JORN.
وتتيح هذه التكنولوجيا مراقبة مساحات بعيدة تتجاوز مدى الرادارات التقليدية، ما يساعد كندا على تعزيز قدرتها على رصد التهديدات الجوية والبحرية القادمة عبر المناطق الشمالية والقطبية.
لكن أهمية التعاون تتجاوز صفقة الرادار نفسها. فكلا البلدين يحتاج إلى تشغيل وصيانة معدات ومنشآت عسكرية في مناطق بعيدة عن المراكز السكانية الكبرى. وفي كندا، تواجه القوات والمنشآت ظروفاً شديدة البرودة قد تصل فيها درجات الحرارة إلى نحو 40 درجة مئوية تحت الصفر، إلى جانب الجليد وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.
أما شمال أستراليا، فيواجه تحديات من نوع مختلف، تشمل الحرارة الشديدة والرطوبة والأمطار الغزيرة والفيضانات والأعاصير المدارية، فضلاً عن المسافات الطويلة التي تفصل الموانئ والمطارات ومراكز الصيانة عن بعضها البعض.
هذه الظروف تجعل تصميم المعدات العسكرية أكثر تعقيداً. فليس المهم فقط نقل المعدات إلى المناطق النائية، وإنما ضمان قدرتها على العمل لفترات طويلة مع الحد من الحاجة إلى الصيانة المتخصصة أو الإمدادات المتكررة.
وتقدم التجربة الكندية أيضاً نموذجاً مهماً في التعامل مع البنية التحتية الشمالية باعتبارها جزءاً من منظومة متكاملة تخدم الدفاع والمجتمعات المحلية والاقتصاد في الوقت نفسه. فالطرق والمطارات والموانئ ومخازن الوقود وشبكات الاتصالات يمكن أن تؤدي أدواراً مدنية وعسكرية متكاملة.
وفي المقابل، تمتلك أستراليا خبرة تمتد لعقود في تشغيل أنظمة المراقبة والدفاع عبر مساحات قارية هائلة، وهي خبرة أصبحت الآن جزءاً من التعاون مع كندا.
ومن هنا، يمكن أن تتحول صفقة الرادار إلى بداية لتعاون أوسع بين البلدين في مجالات البنية التحتية واللوجستيات والصيانة وتشغيل المعدات في البيئات القاسية.
فالمسافات الهائلة لا يمكن اختصارها، والظروف المناخية لا يمكن التحكم فيها، لكن التخطيط الجيد وتصميم الأنظمة والبنية التحتية بما يتناسب مع هذه التحديات يمكن أن يقللا تأثيرها بشكل كبير.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

