رغم القرب الجغرافي والتاريخ الطويل الذي يربط أستراليا بدول المحيط الهادئ، لا يزال كثير من الأستراليين يعرفون القليل عن تاريخ المنطقة وثقافاتها وعلاقة بلادهم بها. هذه الفجوة ليست جديدة، بل ظهرت مراراً في تقارير ودراسات امتدت لعقود، وسط تحذيرات من تأثيرها في علاقات أستراليا مع جيرانها.
وتبرز بابوا غينيا الجديدة مثالاً واضحاً على هذه المشكلة. فقد خضعت أجزاء من أراضيها للإدارة الأسترالية قبل استقلالها عام 1975، ومع ذلك تراجع حضور هذا التاريخ في الوعي العام والمناهج التعليمية الأسترالية. وحتى عندما تتناول المدارس أحداثاً مثل حملة كوكودا خلال الحرب العالمية الثانية، غالباً ما يكون التركيز على الجانب العسكري الأسترالي أكثر من تناول التاريخ الأوسع للعلاقة مع بابوا غينيا الجديدة.
ومنذ تسعينيات القرن الماضي، حذرت تحقيقات برلمانية وباحثون من انخفاض مستوى المعرفة بالمنطقة. كما أشارت إلى محدودية التبادل الثقافي والسياحي والرياضي، وضعف الاهتمام الإعلامي والتعليمي بتاريخ دول المحيط الهادئ وشعوبها.
المشكلة تتجاوز مجرد معرفة أحداث تاريخية، إذ تتعلق بما يمكن وصفه بـ”الثقافة أو المعرفة بالمحيط الهادئ”، وهي القدرة على فهم مجتمعات المنطقة ولغاتها وثقافاتها وطرق التواصل والتعامل فيها. وتكتسب هذه المعرفة أهمية متزايدة في وقت أصبحت فيه منطقة المحيط الهادئ محوراً مهماً في السياسة الخارجية والأمن والتجارة والتنمية.
ورغم أن الحكومات الأسترالية عملت على تعزيز العلاقات المباشرة والتواصل بين الشعوب، يرى متخصصون أن هذه الجهود وحدها ليست كافية. المطلوب هو استثمار طويل الأمد يبدأ من التعليم، من خلال منح تاريخ وثقافات ولغات المحيط الهادئ مساحة أكبر في المدارس والجامعات.
ويمكن أن تشمل هذه الجهود الأدب والفنون واللغات والتاريخ، إلى جانب تشجيع التواصل مع مجتمعات المحيط الهادئ المقيمة داخل أستراليا. كما يمكن الاستفادة من خطط مماثلة تهدف إلى تعزيز معرفة الأستراليين بآسيا.
فالمحيط الهادئ ليس مجرد منطقة تلجأ إليها أستراليا عند ظهور أزمة أو منافسة استراتيجية، بل هو جزء أساسي من تاريخها ومحيطها الجغرافي ومستقبلها. وتعزيز معرفة المجتمع الأسترالي بهذه المنطقة قد يكون خطوة ضرورية لبناء علاقات أكثر استقراراً واحتراماً واستدامة مع أقرب جيرانه.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

