تتجه العلاقات بين أستراليا وإندونيسيا إلى مرحلة أكثر عمقاً، مع سعي البلدين إلى تحويل التفاهمات السياسية والأمنية إلى تعاون عملي طويل الأمد. وجاء اجتماع وزيري الخارجية والدفاع للبلدين في ملبورن يوم 26 أغسطس ليؤكد هذا الاتجاه، خصوصاً بعد توقيع معاهدة الأمن المشترك في جاكرتا خلال فبراير الماضي.

وشارك في الاجتماع من الجانب الأسترالي وزيرة الخارجية بيني وونغ ووزير الدفاع ريتشارد مارلز، فيما مثّل إندونيسيا وزير الخارجية سوجيونو ووزير الدفاع سجافري شمس الدين. وناقش الوزراء ملفات متعددة شملت الأمن والدفاع والاقتصاد والتدريبات العسكرية والاستعداد للكوارث، إلى جانب تعزيز قدرة البلدين على التعامل مع التحديات الإقليمية.

ويبرز التعاون العسكري باعتباره أحد أهم جوانب الشراكة الجديدة. فقد شهد عام 2026 مشاركة القوات الإندونيسية في عدد من التدريبات المشتركة مع أستراليا، من بينها تدريبات Kakadu وPitch Black وCassowary، إلى جانب الاستعداد لتنفيذ تدريب Keris Woomera في إندونيسيا، والذي من المقرر أن يتضمن جانباً يتعلق بالأمن السيبراني.

ولا تقتصر أهمية هذه التدريبات على الجانب العسكري فقط، بل تساعد أيضاً على تحسين الاتصالات والاستعداد اللوجستي والوعي البحري والقدرة على الاستجابة للأزمات. كما تخطط أستراليا وإندونيسيا لتعزيز الروابط المؤسسية بين قواتهما، ومن بين الخطوات المطروحة تعيين ضابط إندونيسي بمنصب نائب قائد في اللواء الأول للجيش الأسترالي في داروين اعتباراً من عام 2027.

ومن المجالات الأخرى المطروحة تطوير منشآت تدريبية في جزيرة موروتاي الإندونيسية، بما يسمح بتنفيذ المزيد من الأنشطة المشتركة. وقد يسهم تطوير هذه المنشآت في تعزيز التعاون الدفاعي في المناطق الواقعة بين شمال أستراليا وشرق إندونيسيا، رغم الحاجة إلى استثمارات لتحسين البنية التحتية في الجزيرة.

وفي الوقت نفسه، يسعى البلدان إلى توسيع الشراكة الاقتصادية. وتشجع جاكرتا الاستثمارات الأسترالية في إندونيسيا، بينما تهتم الشركات الإندونيسية بقطاع المعادن الحيوية الأسترالي، خاصة مع تنامي الطلب العالمي المرتبط بصناعة السيارات الكهربائية. كما يظل الأمن الغذائي والاستثمار المتبادل من الملفات المهمة في العلاقة الثنائية.

ويشكل التعاون في مواجهة الكوارث الطبيعية جانباً مهماً أيضاً، حيث تعمل أستراليا منذ سنوات مع إندونيسيا على تعزيز قدراتها في الاستعداد للكوارث والاستجابة لها من خلال برامج مشتركة.

ومع تزايد المنافسة والنفوذ الصيني في المنطقة، تبدو العلاقة بين كانبيرا وجاكرتا أكثر أهمية من أي وقت مضى. فمعاهدة جاكرتا لا تمثل مجرد اتفاق أمني جديد، بل توفر أساساً لتعاون أوسع يجمع الدفاع والاقتصاد والاستثمار والاستجابة للكوارث، بما يدعم استقرار المنطقة ويعزز المصالح المشتركة للأجيال المقبلة.