فرضت أستراليا في نهاية عام 2025 قانوناً يُعد من أكثر التشريعات صرامة في العالم، يقضي بمنع الأطفال والمراهقين دون سن 16 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي، بهدف حماية صحتهم النفسية والحد من تعرضهم للتنمر الإلكتروني والمحتوى الضار. لكن النتائج الأولية تشير إلى أن تنفيذ هذا القرار لم يكن سهلاً كما كان متوقعاً.

وأظهر تقرير حديث صادر عن هيئة السلامة الإلكترونية الأسترالية (eSafety) أن غالبية الأطفال والمراهقين الذين تقل أعمارهم عن 16 عاماً ما زالوا يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي رغم دخول القانون حيز التنفيذ. وبيّنت الدراسة أن أكثر من 80% من الأطفال بين 10 و15 عاماً استمروا في استخدام هذه المنصات بعد مرور ثلاثة أشهر على تطبيق الحظر، وهي نسبة لا تختلف كثيراً عن الفترة التي سبقت صدور القانون.

ويرجع التقرير هذا الأمر إلى أن العديد من منصات التواصل لم تطبق إجراءات فعالة للتحقق من أعمار المستخدمين، ما أتاح للأطفال الاحتفاظ بحساباتهم القديمة أو إنشاء حسابات جديدة بسهولة. كما أوضح عدد من المشاركين في الدراسة أن بعض المنصات لم تطلب منهم أي إثبات للعمر، بينما تمكن آخرون من تجاوز القيود عبر إدخال تاريخ ميلاد غير صحيح أو بسبب أخطاء في أنظمة التحقق.

ورغم أن السلطات الأسترالية أعلنت سابقاً إغلاق ملايين الحسابات التي تعود لقاصرين، فإن البيانات الجديدة تشير إلى أن كثيراً من هؤلاء عادوا إلى استخدام التطبيقات نفسها بطرق مختلفة، الأمر الذي يعكس صعوبة فرض القيود في البيئة الرقمية.

وكان خبراء التكنولوجيا قد حذروا منذ الإعلان عن القانون من أن المراهقين يمتلكون مهارات تقنية تمكنهم من الالتفاف على القيود، سواء باستخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) أو الانتقال إلى تطبيقات أقل رقابة أو حتى استخدام منصات ألعاب توفر وسائل للتواصل الاجتماعي.

ورغم هذه التحديات، تؤكد الحكومة الأسترالية أن القانون حقق جزءاً من أهدافه، إذ ساهم في زيادة وعي الأسر بالمخاطر الرقمية، وفتح نقاشاً مجتمعياً واسعاً حول مسؤولية شركات التكنولوجيا في حماية الأطفال. كما شدد مسؤولون حكوميون على أن عدم الوصول إلى التزام كامل لا يعني فشل القانون، تماماً كما أن وجود مخالفات لا يلغي أهمية القوانين الأخرى المتعلقة بحماية المجتمع.

وتستند هذه الإجراءات إلى مخاوف متزايدة بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للأطفال، خاصة مع انتشار التنمر الإلكتروني، وخطاب الكراهية، والمحتوى العنيف، بالإضافة إلى تزايد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج صور ومقاطع مزيفة قد تؤثر سلباً في الأطفال والمراهقين.

وتحذر منظمات دولية وخبراء في علم النفس من أن الأطفال غالباً ما يواجهون صعوبة في التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى الذي يتم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي، مما يزيد من احتمالات تعرضهم للتضليل أو الاستغلال الرقمي.

وقد لفتت التجربة الأسترالية أنظار العديد من الدول، إذ بدأت حكومات مثل المملكة المتحدة والدنمارك وماليزيا واليونان دراسة أو إعداد قوانين مشابهة لتقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل الأطفال، في محاولة لتحقيق توازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية الأجيال الصغيرة من مخاطرها المتزايدة.

ورغم أن التجربة لا تزال في مراحلها الأولى، فإنها تمثل اختباراً مهماً لقدرة الحكومات وشركات التكنولوجيا على التعاون من أجل توفير بيئة رقمية أكثر أماناً للأطفال، وهو تحدٍ يتوقع أن يزداد أهمية خلال السنوات المقبلة.