تشهد أستراليا ارتفاعاً مقلقاً في أعداد الوفيات الناتجة عن حوادث الطرق، في تحول لافت بعد عقود من التحسن المستمر في مستويات السلامة المرورية. ويثير هذا الاتجاه تساؤلات حول أسباب تزايد الحوادث المميتة، رغم التطور الكبير في تقنيات حماية الركاب والاستثمارات الحكومية الضخمة في البنية التحتية للطرق.
وكانت أستراليا قد نجحت منذ سبعينيات القرن الماضي في خفض الوفيات المرورية بصورة تدريجية، بفضل قوانين إلزام استخدام أحزمة الأمان وتشديد العقوبات على القيادة تحت تأثير الكحول. غير أن هذا التقدم بدأ يتراجع منذ عام 2020، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من ارتفاع أعداد الضحايا.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، تتجه أستراليا نحو تسجيل العام السادس على التوالي من زيادة الوفيات، بعدما بلغت الحصيلة المسجلة حتى نهاية سبتمبر أعلى مستوى لها خلال 15 عاماً.
المشاة وراكبو الدراجات الأكثر تعرضاً للخطر
يرى باحثون في السلامة المرورية أن الزيادة لا تشمل جميع مستخدمي الطرق بالدرجة نفسها، إذ أصبح المشاة وراكبو الدراجات الهوائية والنارية من الفئات الأكثر عرضة للحوادث القاتلة.
وأوضح الباحث ميلاد حقاني، من جامعة ملبورن، أن جانباً من المكاسب التي تحققت خلال العقود الماضية قد تلاشى، مشيراً إلى أن انتشار المركبات الكبيرة والثقيلة يزيد خطورة الاصطدام بالمشاة.
وكشفت دراسة شارك في إعدادها أن كل زيادة قدرها عشرة سنتيمترات في ارتفاع المركبة ترتبط بارتفاع احتمالات وفاة المشاة عند الاصطدام بنسبة 11%.
المخدرات والسرعة من أبرز التحديات
لم تعد القيادة تحت تأثير الكحول العامل الوحيد الذي يثير قلق الخبراء، فقد أصبحت المخدرات تمثل خطراً متزايداً على الطرق الأسترالية.
وتشير البيانات التي استعرضها الباحثون إلى اكتشاف مواد مخدرة لدى نحو 17% من الأشخاص المتورطين في حوادث مميتة، ما يعزز المطالب بتكثيف الفحوص والرقابة المرورية.
كذلك يدعو متخصصون إلى مراجعة حدود السرعة، خصوصاً داخل المدن والمناطق السكنية، مستشهدين بتجارب أوروبية نجحت في تقليل الوفيات عبر خفض السرعات وتعزيز تطبيق القوانين.
أستراليا تتراجع في التصنيف الدولي
بعدما كانت أستراليا ضمن أفضل عشر دول في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من حيث السلامة المرورية، تراجع ترتيبها لتصبح بالكاد ضمن أفضل عشرين دولة.
وترى البروفيسورة تيريزا سينسيريك، من جامعة أستراليا الغربية، أن التوسع السكاني وزيادة أعداد المركبات وأحجامها يتطلب إعادة النظر في السياسات المرورية التقليدية.
ورغم أن معدل الوفيات بالنسبة إلى عدد السكان ظل مستقراً نسبياً خلال السنوات الأخيرة، فإن ارتفاع العدد الإجمالي للضحايا يظل مصدر قلق، خاصة مع تحقيق دول أخرى تقدماً ملحوظاً في خفض الحوادث القاتلة.
الحاجة إلى قرارات تستند إلى البيانات
من جانبها، تطالب الجمعية الأسترالية للسيارات بتحسين جمع البيانات المتعلقة بالحوادث الخطيرة، محذرة من أن التأخر في نشر بعض الإحصاءات لمدة تصل إلى ثلاث سنوات يضعف قدرة الجهات المسؤولة على تقييم الإجراءات المتخذة.
وتؤكد الجمعية ضرورة توجيه الاستثمارات الحكومية إلى المشروعات التي تثبت فعاليتها في إنقاذ الأرواح، بدلاً من الاعتماد على التقديرات غير المدعومة بأدلة كافية.
وتستهدف الاستراتيجية الوطنية للسلامة المرورية خفض الوفيات إلى النصف بحلول عام 2030، والوصول إلى صفر وفيات بحلول عام 2050.
ورغم الآمال المرتبطة بالمركبات ذاتية القيادة والأنظمة الذكية القادرة على اكتشاف المخاطر، يحذر الخبراء من أن انتشار هذه التقنيات سيستغرق سنوات طويلة.
وفي الوقت الراهن، تبقى مراجعة السرعات، وتشديد الرقابة، وتحسين تصميم الطرق، وحماية مستخدميها الأكثر ضعفاً خطوات أساسية لوقف ارتفاع الضحايا واستعادة التقدم الذي حققته أستراليا طوال عقود.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

