
أيُّ مفارقة هذه التي شهدتها فرنسا خلال حوالي اسبوعين، بين زيارة البابا و أعمال الشغب؟ مشهدان متناقضان: أحدهما يفيض بالإيمان والرقيّ والآخر يغرق في العنف والتخريب. بين قداسة الايمان ووحشية الخراب، تتجلّى المفارقة.
التظاهر السلمي هو حق قانوني ودستوري بينما يعدّ التخريب وحرق الممتلكات الخاصة والعامة جريمة يحاسب عليها القانون.
في المشهد الأول، (25-29 أيلول 2026) حشود من الفرنسيين المؤمنين، في أجواء من الخشوع والنظام والرقيّ، تستقبل البابا ليو الرابع عشر في صورة تستحضر فرنسا الأصيلة، بتاريخها الروحي الديني والمسيحي وهويتها الحضارية. بعد اسبوعين ونيِّف، (في 17 تشرين الاول 2026) مشهد آخر مختلف ومغاير تمامًا، حشود من المتظاهرين والمحتجين ضد غلاء المعيشة وتدهور الخدمات العامة، بطريقة غير سلمية وفي أجواء من الفوضى والدمار: شغب وسطو ونهب وحرق وتكسير. ربما لم يعجبهم المشهد الاول وأزعجهم مشهدٌ يعمّه السلام وتُزيّنه الصلاة، فالحقيقة لا تُرضي الجميع، فأرادوا أن يظهروا مشهداً آخر لفرنسا يعمّه العنف والخراب.
لكن السؤال الجوهري: هل يعكس المشهدان وجهين متناقضين لفرنسا، أم أننا أمام مجموعتين مختلفتين تمامًا في الهوية والانتماء والسلوك؟
يبقى السؤال: أيُّ صورة تريد فرنسا أن تحافظ عليها أمام العالم؟
من هرول شوقًا لرؤية البابا والصلاة معه، وعاش لحظة الإيمان والخشوع، يصعب أن نتصوّره هو نفسه من ينهب ويحرق ويعتدي. فبين المشهدين فرقٌ في الانتماء والقيم والسلوك. هناك من يرى في وطنه أمانةً وتاريخًا يجب صونهما، وهنالك من يحوّل الشوارع إلى ساحات للتخريب والنهب والدمار، متجاهلًا حرمة المكان وحقوق أهله.
هل كانت أعمال التخريب والعنف والشغب التي قادتها مجموعات ملثمة، فعلًا احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة، أم أنهم استغلّوا الغضب الاجتماعي غطاءً لأعمال شغب لا علاقة لها بمطالب الناس؟
فما علاقة سرقة المتاجر؟ وما ذنب التاجر الذي تحطم متجره ونُهب رزقه؟ ألا يعاني بدوره من ارتفاع الأسعار؟
ما علاقة تشويه وتدمير وحرق الممتلكات العامة بغلاء المعيشة؟ وما الذي يدفع هؤلاء إلى إحراق مبنى بلدية
Hôtel de Ville de Limoges
التاريخي، الذي صمد 143 عامًا وشهد حربين عالميتين، ليأتي التخريب فيدمّر ما حفظه التاريخ؟ أيُّ احتجاج هذا الذي يحرق ذاكرة مدينة و معالمها ويعتدي على إرث أجيال؟ غلاء المعيشة لا يبرّر إحراق التاريخ.
ما ذنب الكنائس التي تعرضت للاقتحام والانتهاك والتكسير في مدينتي مرسيليا وغرونوبل؟
ما هذا التناقض؟ يرفعون أعلام بلادهم على الأراضي الفرنسية، ويطالبون الدولة الفرنسية برعاية شؤونهم وتأمين سبل العيش الكريم لهم وضمان حقوقهم، في حين لا نرى علم فرنسا مرفوعًا بين أعلامهم! أهي مظاهرة سياسية أم معيشية؟ فإن كانت معيشية، فما علاقة أعلام بلادهم بها، وأين علم فرنسا التي تطالبونها برعاية شؤونكم؟ إن كنتم تطالبون بحقوقكم من الدولة الفرنسية، فأولى بكم أن تحترموا البلد الذي آواكم، وفتح لكم أبوابه، ووفّر لكم سبل العيش والرعاية. وأيضاً ما علاقة رفع العلم الفلسطيني على تمثال القديسة جان دارك بقضية معيشية محلية؟
في مقابل مشاهد التخريب، خرج فرنسيون في اليوم التالي بمظاهرة مضادة، وقد ارتدوا وشاح العلم الفرنسي على صدورهم، مردّدين النشيد الوطني الفرنسي «La
Marseillaise»
تعبيرًا عن اعتزازهم بهويتهم الوطنية وتمسّكهم بتاريخ فرنسا ورموزها، ومؤكدين أن الفرنسي الاصيل، يحب بلده يعتزّ بوطنه لا يحرق تاريخه ولا يدمّر إرث أجياله.
تتباين الآراء والتقارير والتحليلات بشأن خلفيات المشاركين في هذه الاضطرابات وهوياتهم، وتوزّعت الاتهامات خاصةً على المهاجرين (ولاسيما الافارقة: الجزائريون، المغاربة والتونسيون )، وعناصر من اليسار المتشدد اتُّهمت بتسييس الحراك الاحتجاجي ودفعه نحو العنف، إلى جانب مجموعات من الجانحين والمخربين. وقد انتقلت عدوى الشغب الى عدة دول اوروبية ولاسيما ما شهدته مدينة ميلانو.
رأى بعض السياسيين الفرنسيين أن أعمال الشغب تعكس إخفاق بعض فئات المهاجرين في الاندماج في المجتمع الفرنسي، معتبرين أن بعض المشاركين لا يلتزمون بقيم الجمهورية الفرنسية ويُظهرون عداءً للثقافة الغربية. وقد أشارت الدراسات السوسيولوجية والسياسية إلى أن السبب يعود الى الأيديولوجيا الدينية المتطرفة أو الانعزالية.
انعكست هذه الأحداث سلبًا على المهاجرين وطالبي اللجوء، إذ ساهمت في تصاعد الضغوط السياسية الرامية إلى تشديد قوانين الهجرة واللجوء. لاسيما في ظل مؤشرات استطلاعات الرأي المتعلقة بالسباق الرئاسي الفرنسي المقرر انطلاقه في 18 نيسان 2027، والتي أظهرت احتمال فوز حزب اليمين المتطرف «التجمع الوطني»، بقيادة مارين لوبان، صاحبة الحظ الأوفر في ظل تصاعد المخاوف بشأن الأمن والاستقرار الاجتماعي. كما أقر الاتحاد الأوروبي تعديلات وقواعد جديدة مشددة لترحيل وإعادة المهاجرين غير النظاميين، خصوصاً بعد زيادة عدد الجرائم والبطالة من قبل المهاجرين. ومن اوائل المؤيدين لهذه القرارات رئيسةالوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني وحزب “البديل من أجل المانيا” بعد فوزه التاريخي في أيلول 2026 في المانيا.
ما زال ملف الهجرة في أوروبا يثير جدلًا واسعاً و مراجعة بقوانين الهجرة للحدّ منها. وفقًا لبيانات وتقارير المفوضية الأوروبية، يعيش في أوروبا نحو 65 مليون مهاجر، بينهم قرابة 3 ملايين مهاجر غير نظامي في الاتحاد الأوروبي. ويشكّل المهاجرون نحو 14% من سكان الاتحاد الاوروبي، مما يشكل خطراً على التغيير الديموغرافي، فيما تستضيف ألمانيا وحدها نحو 18 مليون شخص من أصول مهاجرة. بينما التكلفة السنوية للمهاجرين في اوروبا التي تتخطى 50 مليار دولار أصبحت باهظة وتشكل عبئا ثقيلاً على الدول المستضيفة. كما يتزايد اعتراض دافعي الضرائب على تحمّل الأعباء المالية لاستقبال المهاجرين، مطالبين بإعطاء الأولوية لاحتياجات المواطنين الذين تموّل ضرائبهم المرتفعة خزينة الدولة، اذ أنهم أحق بها من المهاجرين.
هنا يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتمكن فرنسا من المحافظة على تاريخها العريق وتحويل أمجاد ماضيها إلى إنجازات جديدة تعيد إليها وهجها الحضاري، أم سيظل تاريخها العظيم شاهدًا على عصر ذهبي مضى؟


