الشعر فضاءٌ واسع.

مثلًا، يقول الشاعر عدنان الصائغ، الذي يزور سيدني حاليًّا: “الشعر هو مرآتي … قصيدتي خربشاتُ مشاكسٍ على جدران العالم، فيها من الطفولة والحكمة، كما فيها من الحُلم والوجع، والقراءةِ والعفويّةِ، والحَفْرِ والانسياب، والسيرة والمخيَّلة، والمعاصرة والتراث …”

وأنا أقول إنّني، من منطق الذوّاقة والناقد معًا، والذي يرى أنّ الابتكار والإدهاش والجزالة والموسيقا الداخليّة هي مقوّماتُ الشعر الأساس، أحبّ أن أضعكم في المزاج الشعريّ الذي يعتريني حين أقرأ شعر إميل عامر، وحين أعلّق عليه، وهو الشابّ العراقيّ الأستراليّ الذي اتخذ من مدينة سيدني مستقرًّا.

وسبق للشاعر الصديق وديع سعادة أن كان شاهدًا على الولادة الأولى لهذه الزهرّة المتفتّحة، فنقرأ له على الغلاف الخلفيّ للمجموعة الأولى لإميل عامر، الصادرة عام ألفين وواحد وعشرين، والمعنونة “عندما تلبَسُ الأغنيةُ غيمة”، العبارة التالية: “اليوم، وُلِد لنا شاعر: إميل عامر.”

ويوم الأحد 27-09-2026، كان لي شرف الاحتفال بولادة جديدة بإطلاق مجموعته الثانية “في خلايا الأيّام” التي تحظى بدعم أدونيس، وتأتي ضمن سلسلة إشراقات التي يختارها ويشرف عليها، والصادرة عن دار “زمكان”. وكنت أتمنّى لو أضاف أدونيس إلى الكلمة العامّة التي يضعها على الغلاف الخلفيّ للمجموعة، ولو مجرّد سطرين يختصّان بعمل إميل.

ومن خليّة من خلايا الأيّام، اخترت القطعة المعنونة “يرقة” (الواردة في الصفحة الرابعة والستّين) التي أرى فيها ملامحَ كثيرة من صنعته الشعريّة وأخلاقيّاتها.

يـرقـة

تصببَ جسدُ العُشبِ بالعرق

فخرجتْ من ثوبه الممزّقِ يرقة

تحاول الهروب من حُلمِ فراشة

فراشةٌ نامت مرّة على صخرةِ سيزيف

فصارت نهدًا يمُصّهُ عابروا النظرة

والذين يقطعون جذع المسافة

هربًا من سعال الإله

يرقةٌ تحاول لمَّ البحر في شرنقتها

خوفًا من أن يُحبسَ في دمعة.

 

الابتكار في هذه القطعة يوّفق بين الصورة والكلمة بطريقة آسرة مؤثّرة. وهي، بغناها الرمزيّ، تدلّ دَلالة واضحة على عمق المعاني المحبوسة داخل كلمات قليلة، فالعنوان ذاتُه قمّة في الاقتصاد، لكنّ التوغّل في إمكانيّاته يفسح في المجال أمام فهم الاحتمالات أو اللااحتمالات التي يرمي إليها إميل. نعلم أنّ البويضة تصير يرقةً واليرقةُ شرنقةً ومن الشرنقة تخرج الفراشة. القصيدة تملك صوتًا شعريًّا حقيقيًّا، وأقوى ما فيها أنّها لا تشرح فكرتها، بل تبنيها من خلال التحوّلات المذكورة، والمتناقضات مثل الدمعة والبحر والنهد والصخر.

لكنّ إميل يتدخّل في هذا التحوّل الطبيعيّ ليجعل هذا التحوّلَ مؤجّلًا، ويصوّر لنا هشاشة الموقف ومحاولة النجاة من المصير الذي يُفْتَرض أنّه الخلاص، فبدلًا من أن تكون الشرنقة طريقًا طبيعيّة إلى الحرّيّة، تصبح مكانًا لاحتجاز العالمِ كلّهِ. وهذا قلبٌ للمعنى التقليديِّ للتحوّل. فكلمة يرقة هنا تكتسب بعدًا فلسفيًّا إذ يمكن التفكير أنّ التحوّلَ نفسَه هو نوعٌ من  الفقد.

كأنّي باليرقة هنا لا تريد التحوّل إلى فراشة بِقَدْرِ ما تريد أن تمنعَ البحر من الضياع. وعبارتُه “تحاول الهروب من حُلُمِ فراشة” كأنّها مقاومة لفكرة التطوّر أو التحقّق أو النضج، أي رفضُ القوالب الجاهزة.

وهذا اختيارٌ شعريّ ذكي، لأنّ إميل يأخذ استعارة الفراشة التقليديّة — التحوّل، الجمال، الحريّة — ويقلبها إلى استعارة عن الرغبة في عدم التحوّل.

إميل لا يقول إن اليرقة خرجت من العُشْبِ مباشرة، بل جعل للعُشْبِ جسدًا وثوبًا وعرقًا. وبذلك يصبح العُشب كائنًا حيًّا يلد، بينما اليرقة تخرج من “ثوبه الممزّق”، لا من جسده فقط. وفي هذا ابتكار على غاية في الروعة.

وكلمة “عرق” تدخل ضمن ما يتَّبِعه إميل من “أنسنة” الأشياء. مثلًا، عبر قصائده يجعل الأثيرَ يتنفّس، وضوءَ الشمس يرقص، وللعمود أحشاءً، وللشوارع أوردةً، وللغمام شهوةً، وللزمن جسدًا، وللطريق رحمًا، وللجبل ذراعًا، وللفجر شرايينَ، وللشجرة ملابسًا، وللأرض خصرًا، وللحلم دماغًا، وللنغمة عقلًا، وللصوت غاباتٍ، وللفضاء رموشًا.

الدخول إلى الفضاء الأسطوريّ الفلسفيّ يعقّد القصيدة. الفراشة التي ترمز للخفّة والتحرّر تنام على صخرة سيزيف. المشهد جميل جدًا من الناحية البصريّة والفكريّة: أخَفُّ الكائنات يستريح فوق أثقل الأشياء. لكنّ المشكلة أنّ “سيزيف” يحمل حمولة ثقافيّة ضخمة جدًّا؛ بمجرّد ذكر اسمِه، يستحضر القارئُ المتابع ألبير كامو والعبث والعذاب الأبديّ والعمل بلا نهاية.

لذلك فإن هذه الإحالة تكاد تنافس القصيدةَ نفسَها على مركز المعنى. والسؤال الذي قد يطرحُه القارئ: لماذا نامت الفراشة تحديدًا على صخرة سيزيف؟ هل لأنّها اكتشفت أنّ الخفّة نفسَها عبثٌ؟ أم أنّ جمالَها أصبح مستهلكًا فوق عبء الوجود؟

الانتقال من الفراشة إلى “النهد” يحوّل الجمال من كائن حرّ إلى موضوع للنظر والاستهلاك. هذا يجعل “الفراشة” لا تهرُب فقط من تحوّل بيولوجيّ، بل من تحوّل رمزيّ أيضًا: من كائن يطير، إلى صورة تُستهلك بالنظر. لكنّ استخدام “عابروا النظرة”، بدلًا من “الناظرون” تعبير موفّق؛ كلمة “عابروا” تجعل النظرة نفسَها فعلَ مرور واستهلاك سريع، وكأنّ الآخر لا يرى الكائن بل يمرّ به.

“يمُصُّه” لفظة عنيفة وحسيّة جدًّا. وهي صورة قويّة، قد تفرض نفسها على القارئ بقوّة أكبر من الصور المحيطة بها.

ومع “جذع المسافة” تصبح القصيدة أكثر تجريدًا. وهو تركيب جميل؛ لأنّه يمنح المسافة جسدًا نباتيًّا، وكأنّ القصيدةَ تعود مرة أخرى إلى عالم العشب والجذوع.

“سُعال الإله” صورة لافتة جدًّا. ليس “غضبُ الإله”، ولا “صمتُ الإله”، ولا “صوتُ الإله”، وإنّما سُعالُه. السعال فعلٌ عَرَضيّ، جسديّ، غير متعالٍ. وكأنّ الإله نفسَه كائنٌ مريضٌ أو مهدّدٌ، والناس يهربون من مجرّد علاماته الجسديّة.

الخاتمة قويّة جدًّا، خصوصًا لأنّ الفعل “لمَّ” غير متوقع: اليرقة لا تحمل البحر، ولا تخبّئه، بل تلُمّه. وكأنّ البحر شيء متناثر يمكن جمعَه. ولقد أحسّ الشاعر المهندس بدوي الحاج بقوّة هذا الفعل وتأثيره على المجموعة، دون ذكر هذا النصّ بالذات، فاستهلّ في منشور له على صفحته الفيسبوكيّة، تعليقه بالتركيز على كلمة “يلملم” حول ما يقوم به إميل. وإذن، من الواضح ما لفعل “لمّ” من دويّ الوقع، فهو مع نعومته وحنانه فعّال التأثير. هذا هو أفضل الشعر: كلمة واحدة تجسّد الأحاسيس، وتختصر الكلام. الجزالة ترقى بالأدب إلى قمّة الفكر.

ثم تأتي المفارقة: البحر قد يصير الدمعة. أكبر صورة للماء تنكمش إلى أصغرها.  ولهذا تريد اليرقة أن تلمَّه في شرنقتها—لعلّها تظنّ أنّ هذا أهونُ الشرّين! أو أنّه مجرّدُ ردُّ فعل غريزيّ للأمومة.

وهذا يجعل الخاتمة لا تتحدّث عن البحر فقط، بل عن مصير المعنى نفسِه: كيف ينكمش الواسع إلى شيء صغيرٍ قابل للحبس. وهنا قد نفتح سلسةَ من التفسيرات حول ما إذا كان هذا الحبس في صالح المحبوس أم أنّه إرضاءٌ لأنانيّةِ أو غرور أو غريزة السجّان.

وكمثال آخر على الابتكار، أو على الأقلّ الصياغة، لدى إميل، وتوفيقه بين الصورة والكلمة بطريقة فعّالة، أستعرض واحدًا من أهمّ نصوص الكتاب. “أحمد كآيا” تركيٌ كرديٌ أراد أن يغنّي بلغته الأم، فاضطهدوه. في مطلع نصّ “إلى أحمد كآيا” (ص66) يقول إميل:

بسبب حبال صوتكَ

التي رميتها داخل صندوقِ حنجرتكَ

لاستخراج خريطةَ

تلك اللغة المهجورة،

بسبب كلمةٍ

صرت قبراً لتابوتٍ

لم يكن ينتظرك

بسبب لغةٍ

اختار ترابٌ غريبٌ

أُن يكون جسدُك آخرَ محطةٍ له

 

هنالك أمثلة كثيرة عن الابتكار في التعبير والصورة في هذه المجموعة. إليكم هذه الشذرات من تعابيره لتكون ناقدةَ نفسِها أو على الأقل شاهدةً على ما أعتبره روعة في خصوصيّة التعبير. هذا برأيي من أهمّ ما يميز الكتابة الأدبيّة، خصوصًا الشعر.

 

يقول إميل:

 

يسحبني الصباح ورقة يا نصيب

 

في شارع يلملم لهاث الناس والسيّارات

 

لتُشعِل روحي موقدًا للحبّ

 

أتجوّل في عقل نغمة

 

في يوم دخل ظلّي مختبئًا إحدى الجحور فصار فكرة في رأس العدم

 

البيت المزروع على بريق دمعة

 

أقلّم أظافر ألمي

 

كفرس لم يمارس الجنس مع المسافة

 

بضربات تخلع الزمن من إيقاعه

 

البدايات التي استند عليها هذا الشاعر الشابّ إذن تبدو وكأنّها براعمٌ على جذوع متينة. وحين يكون التأسيس على هذا القَدْر من الرسوخ، فالأمل أنّ المستقبلَ مضْطَردُ الإشراق. ولعلّ الأغنية وقتها تخلع عنها الغيمة فتنساب رشيقة في خلايا الأيّام التي يريدها إميل خالية من الشقاء فيتحقّق تفاؤلُه بالمستقبل كما يتمنّاه لكثيرين في إهدائه للكتاب، وفوق كلّ هذا إهداءُه لنفسه حين يَخْتِم صفحة ونصف من الإهداءات بقوله: “إلى أنا، لعلّني وصلت إلى ذاتي”.

وإذن، “الوصول إلى الذات” محوريٌّ، ويبدو أنّ إميل يودّ أنْ يسلك الطريق من أعمق الأعماق فيدخل إلى الخلايا وهي تنتشر في البعد الزمنيّ المكانيّ (الزّمكانيّ) اليوميّ. وليس لديه مانعٌ من أن يتحاور مع الصدى في أولى قصائد الكتاب، بحيث يمتزج الصوت مع الصورة إذ يرى في المرآة صدى ذاتِه. ويقول في قصيدة “جولة في دماغ حلم”: “والصدى أيضًا يحاول العودةَ إلى ذاته / عالقًا في أصوات الذين ذهبوا ولم يعودوا.”

يكتسب هذا التوظيف لحدث يوميّ مألوف— قوَّته في أنّه تحوّل بجرأة إلى تعبير عن الفقد أعمق من مجرّد غياب الصورة الفيزيائيّة. وهل يكون الفقدُ هنا تأكيدًا عمّا كان يحدث قبله، ألا وهو الحوار المستمرّ مع الذات بغية الوصول إليها؟ هل لحظة فقد الصورة في المرآة تأكيدٌ على الأصل؟

قام محمد العبّاس بمراجعة مختصرة مفيدة للمجموعة، نُشرت في “البعد الخامس” في شهر مارسَ من هذا العام 2026، تطرّق فيها إلى توصيف كتابة إميل، وطريقةِ عرضه للنصوص، واللغةِ، والأسلوبِ، والموسيقا، ومعالجتِه للوعي، والجسدِ، والحربِ، والمدنِ، والأبوّة .

 

سأختار هنا الأبوّة.

 

يقول العبّاس في هذا المجال: “الأبوّة تشكل أحد أكثرِ محاور الديوان حساسيةَ وصدقًا. فالعلاقة مع الأبناء تُكتب من موقع الغياب، لا من موقع الحضورِ المستقرّ. الأب يلاحق صوت ابنه في دهاليز الصدى، ويحاول حفظ ما تبقى منه في قارورة صغيرة، كما لو كان يخشى انقراض الصوتِ ذاتِه. وهذا الفعل الشعري يحوّل الأبوّة إلى علاقة ذاكرة، لا علاقة سلطة. ففي نصّ الابنة، يتحول الحلم إلى مساحة فراق، حيث تدخل الطفلة حلمًا آخر لا يصل إليه الأب. ولذلك يُكتب الألمُ بهدوء شديد، دون استدرارٍ عاطفيّ، ممّا يمنحه كثافة إنسانيّة عالية.”

لا يمكن لي، وأنا الناشر والمحرّر والكاتب، إلّا أن أُحِسَّ “بسوسة” المهنة والرغبة فيما هو أفضل، فأسمح لنفسي بتوجيه الملاحظات التالية. علمًا بأنّني أمارس دور الناقد، لا المنتقد. أنوّه بهذا لأنّ العرف العام حول كلمة “انتقد” سلبيّ الأبعاد. بينما وظيفة النقد هي سبر أبعاد العمل بإيجابيّاته وسلبيّاته. كما أنّني أتبنى ضرورة الاستفادة والتعلّم من مناسبات كهذه، التي يجب أن لا تقتصر على المدح والإشادة. وكإنسان علميّ أصلًا، أحبّ تحريض الفكر بطرح الأسئلة أكثر من الادّعاء بأنّني أعرف الأجوبة.

من أهمّ تقنيّات الشعر الحرّ، هو مسألة تقطيع السطور وتأثير ذلك على المعنى والموسيقا الداخليّة. طبعًا ليس هناك من قاعدة واضحة كما هي الحال في الوزن التقليديّ. ولكنّي أعتبر “دوزنة” القطعة بهذه الطريقة تساعد على التلقّي لأنّ المقاطع ستهطلُ كمجموعة نوتات في جملة موسيقيّة قبل الانتقال إلى الأخرى. وضمن كلّ مقطع، لا بدّ من العمل على كيفيّة تكرار الكلمات والصور، لا مجرّد التكرار، لإلباس النصَّ سِمةً موسيقيّة مناسبة ناتجة عن الإيقاع المناسب. ولقد نجح إميل في ذلك في معظم العمل، وأرى أنّ النصّ الأخير “كنغر ميت” مثال جيّد على هذا النجاح.

لكن كان هناك ما يناقض ذلك برأيي، وإن كان قليلًا، ولكن في مواضع حسّاسة، مع العلم أنّ هذا الأمر بالذات قد يقع ضمن خانة “وجهات النظر”.

المثال التالي تجدونه في الصفحة التاسعة، وهو من أجمل ما قرأت في المجموعة:

 

في خريطة لُعابي بقايا نساء

كُنَ بالأمس يرسمن أُنوثتهُن

على جدرانِ فمي.

الآن أُحاول كسر الهواء زجاجةً

زجاجة،

لعلني ألتقطُ شيئاً من أنفاسهن.

 

جاءت جملة “الآن أُحاول كسر الهواء زجاجةً” في سطر، وفي السطر التالي جاءت كلمة “زجاجة”.

 

وفي رأيي أنّها يمكن أن تكون كالتالي:

 

 

الآن أُحاول

كسر الهواء

زجاجةً … زجاجة،

(أو

زجاجة …

زجاجة …)

لعلني

ألتقطُ شيئًا

من أنفاسهن.

 

أحسست أنّ هناك استفاضة في استخدام تعابير “تشريحيّة”، مثل “دماغ” و”أحشاء” و”شرايين”. مع أنّني مختصّ بالبيولوجيا. ويمكن لغيري أن يستسيغها ويسألني ما هو البديل المناسب. وهذا سؤال محقّ جدًا.

 

ما يمكن أن نسمّيه الأغلاط المطبعيّة في المجموعة، ما كان يجب أن يكون خصوصًا أنّ المجموعة تحت إشراف جهة من أهم جهات الثقافة. هنالك في المجموعة عدّة كلمات غابت عنها الألف بعد واو الجماعة، أو أنّ الألف أضيفت دون أن يكون لها لزوم، وأخرى أضيفت إليها الهمزة أو حُذفت غلطًا. الأهمّ من ذلك غياب الشدّة حيث يجب أن تكون. وأنا أعتبر هذا شيئًا أساسًا في تقديم نصّ لائق، وفي احترام لغة من أجمل لغات العالم. وكون الأكثريّة غير مكترثة بهذه الأمور لا يعفيني من الإصرار عليها.

وكمثال على غياب التشكيل المناسب نعود إلى النصّ الأخير “كنغر ميت”، فهل يقصد “ميّت” أم “مَيْت”. هنالك فرق في المعنى، ولو أنّ هذا لن يغيّر المقصود بشكل عام، ولكن أقدّم مثلًا على ضرورة الاختيار المناسب. وثمّة من يقول إنّ الاختيار يُترك للمتلقّي. لكن سيختلف الأمر إن كان التشكيل سيقلب المعنى رأسًا على عقب، وهو أمر وارد كثيرًا في اللغة العربيّة.

أدعوكم لزيارة خلايا أيّام إميل، والغوص في بلازما كلّ خليّة بهدف التعرّف إلى نَواتها، ومادّتها الوراثيّة، وكافة مركّباتها، بل فيما يجمع بين الخلايا، وما يدور بينها من مغامرات. أي التمتّع بنصوص إميل بروح تلك اليرقة الحريصة، والتأمّل في استعاراته وابتكاراته والتفكير في هذا الشاعر المُجيد، المفكّر، الحسّاس.