لطالما نظرت تركيا إلى لبنان كامتداد طبيعي لنفوذها في بلاد الشام، وكحديقة خلفية لطموحاتها السورية. هذه النظرة متجذرة في قراءة تركية تعتقد أن البيئة السنية في لبنان، من طرابلس وعكار شمالاً إلى صيدا جنوباً، أقرب ثقافياً واجتماعياً إلى المجتمع التركي منها إلى المجتمع الخليجي. فالإرث العثماني، برأي أنقرة، ترك بصمة عميقة على نمط التقاليد والعادات والمذهب والعمارة في المناطق السنية اللبنانية، وهو ما يمنحها اليوم شرعية تاريخية للعودة.
هذا المنطق يفسر التمدد التركي الهادئ خلال السنوات الماضية. فعلى الرغم من الدعم التركي الكبير للطائفة السنية وخصوصاً لـ”تركمان” لبنان، فإن انخراطها عبر القوات التابعة للأمم المتحدة وتدفق المساعدات الإنسانية أفرزا بيئة توطد فيها النفوذ التركي على المستوى الشعبي، ولا سيما في طرابلس وعكار وصيدا. لم يكن الأمر صدفة، بل استراتيجية قوة ناعمة منظمة.
اليوم، مع التحول التاريخي في سوريا وتراجع النفوذ الإيراني الذي كان الأقوى في عهد النظام السابق، ترى تركيا أن تمددها نحو لبنان أمر طبيعي، تماماً كما فعلت طهران سابقاً حين استخدمت سوريا كمنصة للوصول إلى بيروت. المشهد اللبناني الحالي يقدم لها فرصة ذهبية: نفوذ إيراني يتراجع بفعل ضرباته الإقليمية وسقوط حليفه في دمشق، ودور خليجي متردد، يريد الدخول لكنه يحاذر في هذا التوقيت المضطرب، وفراغ سني تبحث أنقرة عن ملئه.
وتسعى تركيا للدخول من ثلاث بوابات متكاملة، أو ما يمكن تسميته بـ “الركائز الثلاث” للدور الجديد:
أولاً: بوابة المساعدات والقوة الناعمة. بعد انفجار مرفأ بيروت في العام 2020، كانت تركيا من أوائل الدول التي أرسلت فرق الإنقاذ والمساعدات، وعززت صورتها لدى اللبنانيين. وتنشط اليوم عبر أذرعها الرسمية: وكالة التعاون والتنسيق “تيكا”، ورئاسة إدارة الكوارث والطوارئ “آفاد”، والهلال الأحمر التركي. تركيز “تيكا” على مشاريع تنموية في طرابلس وعكار يشمل تطوير البنية التحتية والمرافئ والمشاريع الزراعية والتعليم وترميم المباني التاريخية. والأهم من ذلك، بناء شبكة ولاء طويلة الأمد عبر التعليم، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من عشرة آلاف لبناني استفادوا من منح دراسية في تركيا لمدة 15 عاماً، وتعلم معظمهم اللغة التركية، وسيتم افتتاح مستشفى تركي في صيدا قريباً.
ثانياً: بوابة الأمن والجيش. هذا هو التحول الأخطر. لم تعد أنقرة تكتفي بالمساعدات. فقد أقر مجلس النواب التركي تمديد تفويض انتشاره في إطار قوة اليونيفيل في لبنان لعامين إضافيين، وأعلنت وزارة الدفاع التركية أن قوات حفظ السلام التركية ستواصل المساعدة في تعزيز قدرات الجيش اللبناني. هذا الخطاب تكرس في أيار الماضي، حين التقى قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل وزير الدفاع التركي يشار غولر ورئيس الأركان في إسطنبول، حيث أكد غولر “استمرار تركيا في دعم الجيش لمواجهة التحديات وتوطيد علاقات التعاون”، وأشار رئيس الأركان إلى “ضرورة تعزيز التعاون بين الجيشين”. هنا تنتقل تركيا من فاعل إنساني إلى شريك أمني، عارضاً تبادل المعلومات والتدريب والتسليح، وهو الدور الذي كانت تحتكره واشنطن وباريس.
ثالثاً: بوابة الربط الإقليمي. تدرك أنقرة أن طرابلس، كونها أقرب المدن اللبنانية إلى سوريا، يمكن أن تتحول إلى نقطة وصل بين البلدين، وبالتالي ربط لبنان بمشاريعها الاقتصادية الكبرى وممرات التجارة التي تخطط لها عبر سوريا الجديدة.
باختصار، ما تريده تركيا اليوم الحديقة الخلفية لسوريا. وهي تدرك أن الفراغ لا يبقى فارغاً. فبينما تتراجع طهران وتتردد عواصم الخليج، تتقدم أنقرة بخطى محسوبة، لا عبر الشعارات الطائفية، بل عبر حقيبة مساعدات، ومنحة جامعية، ومشروع ترميم، واتفاقية عسكرية. إنها لعبة ملء الفراغ بامتياز، حيث يصبح لبنان الورقة التي تؤمن لتركيا عمقها الاستراتيجي على المتوسط في ظل سعيها الى ضمان عمقها في دمشق.


