لا يقتصر العلم على المختبرات أو العلماء الذين يرتدون المعاطف البيضاء، بل يمثل طريقة في التفكير تساعد الإنسان على فهم العالم، وتحليل الأدلة، وطرح الأسئلة والوصول إلى قرارات أكثر دقة. وفي أستراليا، تتزايد الحاجة إلى أشخاص يمتلكون هذه العقلية، في وقت تشير فيه الاتجاهات التعليمية إلى تراجع الاهتمام ببعض التخصصات العلمية الأساسية.

غالباً ما يبدأ الشغف بالعلوم في سن مبكرة من خلال الفضول تجاه ظواهر بسيطة. فقد يقود اهتمام طفل بالضوء أو الألوان أو النباتات إلى مسار مهني لم يكن متوقعاً. ويمكن للمعرفة العلمية لاحقاً أن تجد تطبيقات عملية في مجالات متنوعة، من الصناعات الغذائية والطاقة إلى التكنولوجيا والطب والفضاء.

المشكلة أن كثيراً من الطلاب ينظرون إلى الدراسة الجامعية من زاوية الوظيفة المباشرة فقط. لذلك تجذبهم تخصصات ذات مسارات مهنية واضحة مثل التمريض والهندسة والقانون، بينما قد تبدو دراسة الفيزياء أو الكيمياء أقل وضوحاً من حيث فرص العمل المستقبلية.

لكن الواقع مختلف. فخريجو العلوم لا يعملون جميعاً في المختبرات، بل ينتقل عدد كبير منهم إلى قطاعات الأعمال والحكومة والتعليم والتكنولوجيا والسياسات العامة. والميزة الأساسية التي يحصل عليها طالب العلوم ليست المعلومات وحدها، وإنما القدرة على حل المشكلات، وتحليل البيانات، وتقييم الأدلة والتكيف مع المتغيرات.

وتزداد أهمية هذه المهارات مع الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي والمعلومات المضللة والنقاشات المرتبطة بتغير المناخ والطاقة المتجددة والتقنيات الجديدة. فالمجتمع يحتاج إلى أفراد قادرين على التمييز بين الادعاءات والحقائق، وفهم الأدلة قبل اتخاذ القرارات.

كما أن سوق العمل الأسترالي يتجه نحو زيادة الطلب على المهارات العلمية والتقنية. وتشير التوقعات إلى نمو قوي في الخدمات المهنية والعلمية والتقنية خلال السنوات المقبلة، بينما تتوسع مجالات جديدة مثل علوم المواد والإلكترونيات والطاقة والفضاء.

لهذا تحتاج أستراليا إلى تعزيز ارتباط الأطفال بالعلوم منذ المرحلة الابتدائية، وتشجيع الطلاب على الاستمرار في دراسة المواد العلمية خلال المرحلة الثانوية. كما يقع على الجامعات دور أكبر في توضيح المسارات المهنية المتنوعة التي يمكن أن تفتحها الشهادات العلمية.

وفي الوقت نفسه، يمكن للحكومة وقطاع الأعمال دعم البحث والتطوير وخلق المزيد من الوظائف التي تستفيد من المهارات العلمية.

المستقبل لن يحتاج إلى العلماء وحدهم، بل إلى مجتمع يعرف كيف يفكر بطريقة علمية: يسأل، ويبحث، ويختبر الأدلة قبل أن يصل إلى استنتاجاته. وتشجيع الأطفال والشباب على الاهتمام بالعلوم اليوم قد يكون أحد أهم الاستثمارات التي تستطيع أستراليا القيام بها استعداداً لعالم سريع التغير.