تستعد حكومة جنوب أستراليا لخوض تجربة غير مسبوقة على مستوى البلاد، بعد إعلانها إنشاء لجنة ملكية للتحقيق في تأثيرات الذكاء الاصطناعي والفرص والمخاطر المرتبطة بالتوسع السريع في استخدام هذه التكنولوجيا.
وتُعد الخطوة واحدة من أكبر محاولات الحكومات الأسترالية حتى الآن لدراسة التحولات التي قد يفرضها الذكاء الاصطناعي على المجتمع والاقتصاد وسوق العمل، في وقت تتسارع فيه قدرات هذه التكنولوجيا بصورة تجعل من الصعب على التشريعات التقليدية مواكبتها.
ومن المتوقع أن تبحث اللجنة مجموعة واسعة من القضايا، تشمل تأثير الذكاء الاصطناعي على التعليم والمهارات والوظائف والصحة والبنية التحتية، إلى جانب المخاوف المتعلقة بالخصوصية والأمن والمساءلة.
وجاء الإعلان بعد زيارة أجراها رئيس حكومة جنوب أستراليا بيتر ماليناوسكاس إلى الولايات المتحدة، حيث قال إن الذكاء الاصطناعي كان محوراً رئيسياً في معظم اجتماعاته، التي شملت محادثات مع مسؤولين في شركات تكنولوجية كبرى.
ويرى ماليناوسكاس أن تجاهل التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي قد تكون له عواقب كبيرة مستقبلاً، مؤكداً أن الحكومة مطالبة بالاستفادة من الفرص الاقتصادية والتكنولوجية الجديدة، وفي الوقت نفسه وضع ضمانات تقلل المخاطر المحتملة.
لكن قرار إنشاء اللجنة لم يخلُ من الانتقادات. فقد تساءل بعض الخبراء عن جدوى إنفاق نحو 3 ملايين دولار على تحقيق قد يستغرق أشهراً في مجال يتطور بسرعة استثنائية.
وتعتقد الباحثة في تقييم وسلامة الذكاء الاصطناعي بجامعة سيدني ريبيكا جونسون أن العديد من المخاطر، مثل تأثير التكنولوجيا على الوظائف والخصوصية والأمن والمساءلة، معروفة بالفعل. وترى أن الأموال والوقت قد يكون من الأفضل توجيههما إلى تطبيق إجراءات وقواعد حماية عملية بدلاً من إعادة دراسة مشكلات سبق للباحثين تحديدها.
ويبرز أيضاً تساؤل آخر حول ما إذا كان ملف بهذا الحجم يجب أن تتم معالجته على مستوى الحكومة الفيدرالية بدلاً من ولاية واحدة، خصوصاً أن القرارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي قد تؤثر على جميع الأستراليين.
في المقابل، يرى عالم الحاسوب توبي والش أن تحرك جنوب أستراليا قد يساهم في تسريع النقاش الوطني. وقد تصبح التوصيات والقواعد التي تخرج بها اللجنة نموذجاً تتبناه الحكومة الفيدرالية أو ولايات أخرى مستقبلاً.
وتعيد هذه الخطوة إلى الأذهان مبادرة جنوب أستراليا السابقة بشأن تقييد استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، وهي قضية بدأت على مستوى الولاية قبل أن تتحول إلى نقاش وتشريع على المستوى الوطني.
ومن المقرر اختيار ثلاثة مفوضين لإدارة التحقيق، على أن تعمل اللجنة وفق جدول زمني سريع لتقديم نتائجها بحلول الأول من يوليو. ويبقى التحدي الأكبر هو ما إذا كانت توصياتها ستتمكن من مواكبة تقنية تتغير قدراتها وتطبيقاتها خلال أشهر قليلة.
وبين الانتقادات والترحيب، تضع اللجنة الملكية جنوب أستراليا في قلب النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، وقد تتحول نتائجها إلى اختبار مهم لقدرة الحكومات على تحقيق التوازن بين الاستفادة من الثورة التكنولوجية وحماية المجتمع من مخاطرها.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

