تشهد أستراليا تحولاً كبيراً في قطاع الطاقة المتجددة، بعدما أصبحت من الدول الرائدة عالمياً في استخدام الألواح الشمسية المنزلية وأنظمة تخزين الطاقة. فاليوم يعتمد أكثر من أربعة ملايين منزل على الطاقة الشمسية فوق الأسطح، كما شهد العام الماضي تركيب مئات الآلاف من البطاريات المنزلية، وهو ما أدى في بعض الفترات إلى وفرة في الكهرباء لدرجة تقديمها مجاناً خلال ساعات الظهيرة في بعض الولايات.
لكن الخبراء يرون أن هذا النجاح المنزلي لا يكفي لتحقيق تحول اقتصادي شامل، إذ يتطلب الأمر توسيع استخدام الطاقة الشمسية على مستوى المشاريع الصناعية الضخمة وبأسعار أقل بكثير من التكاليف الحالية.
وفي هذا السياق، أوضحت الوكالة الأسترالية للطاقة المتجددة (ARENA) في ورقة بحثية حديثة أن مستقبل الاقتصاد الأسترالي يعتمد على خفض تكلفة إنشاء محطات الطاقة الشمسية العملاقة، وليس فقط تحسين كفاءة الألواح نفسها. وتسعى الوكالة إلى تحقيق هدف طموح بحلول عام 2030 يتمثل في إنتاج ألواح بكفاءة تصل إلى 30%، وتركيبها بتكلفة لا تتجاوز 30 سنتاً لكل واط.
وتشير الوكالة إلى أن المشكلة الرئيسية لم تعد في سعر الألواح الشمسية، التي انخفضت عالمياً خلال السنوات الأخيرة، وإنما في تكاليف الإنشاء، مثل أعمال الحفر وصب الخرسانة والهياكل المعدنية والكابلات والعمالة اللازمة لتنفيذ المشاريع في المناطق النائية.
وللتغلب على هذه التحديات، تستثمر ARENA في شركات أسترالية تطور حلولاً تعتمد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي لتسريع عمليات تركيب الألواح الشمسية وتقليل الاعتماد على العمالة البشرية، خاصة في المناطق الصحراوية التي تعاني نقصاً في الأيدي العاملة المؤهلة وارتفاع درجات الحرارة.
ومن بين هذه الشركات، تبرز Luminous Robotics التي طورت روبوتات ذاتية الحركة قادرة على نقل الألواح الشمسية وتركيبها بدقة دون تدخل مباشر من العمال، بينما يقتصر دور الإنسان على المراقبة وضمان الجودة. ويساعد هذا النهج على تحسين السلامة وتقليل المجهود البدني الناتج عن حمل ألواح يزيد وزن الواحد منها على 30 كيلوغراماً في ظروف مناخية قاسية.
كما تدعم الوكالة شركة 5B الأسترالية، التي تعتمد أسلوباً مختلفاً يقوم على تصنيع مصفوفات شمسية جاهزة داخل المصانع، ثم نقلها إلى موقع المشروع وفتحها بسرعة باستخدام رافعة شوكية، بدلاً من تجميع جميع المكونات في الموقع. وقد نجحت هذه التقنية في تركيب قدرة إنتاجية تصل إلى ميغاواط واحد يومياً بواسطة فريق صغير لا يتجاوز أربعة أشخاص، وهي كمية تكفي لتغطية استهلاك نحو 300 منزل سنوياً.
وتؤكد الشركة أن هذه الطريقة تختصر وقت التنفيذ بشكل كبير، وتقلل الحاجة إلى أعداد ضخمة من العمال، كما استخدمت بالفعل في مشروع Bellevue Gold بغرب أستراليا، ضمن نظام يجمع بين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأنظمة التخزين لتقليل الانبعاثات الكربونية في عمليات التعدين.
ورغم أن الصين ما زالت تتفوق عالمياً في انخفاض تكلفة إنشاء محطات الطاقة الشمسية، يرى الخبراء أن أستراليا لا تحتاج إلى منافسة الصين في حجم التصنيع، بل يمكنها الاستفادة من نقاط قوتها المتمثلة في الجامعات الرائدة ومراكز الأبحاث والتعاون الوثيق بين القطاعين الأكاديمي والصناعي لتطوير تقنيات مبتكرة.
ويرى مختصون أن انخفاض تكلفة الطاقة المتجددة سيفتح الباب أمام إنشاء صناعات جديدة ذات قيمة مضافة، مثل إنتاج الحديد الأخضر والهيدروجين الأخضر ومعالجة المعادن الحيوية محلياً، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام. ومع امتلاك أستراليا موارد هائلة من الشمس والرياح ورؤوس أموال كبيرة، فإنها تمتلك فرصة حقيقية للتحول إلى قوة عالمية في اقتصاد الطاقة النظيفة، بما يعزز التصنيع المحلي ويرفع القيمة الاقتصادية لصادراتها في المستقبل.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

