تشهد الساحة الدولية مرحلة غير مسبوقة من التوترات والصراعات، مع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى وتراجع فعالية المؤسسات الدولية في احتواء النزاعات. وفي ظل هذه التطورات، تبرز أستراليا كدولة تمتلك المقومات التي تؤهلها للعب دور أكبر في الوساطة الدبلوماسية والمساهمة في تعزيز الأمن والاستقرار، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ أكدت في أكثر من مناسبة أن بلادها تسعى إلى أن تكون قوة متوسطة فاعلة لا تكتفي بردود الفعل، بل تشارك في صياغة الحلول وتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي. ويأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه العالم ارتفاعاً في عدد النزاعات المسلحة إلى مستويات لم تُسجل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى جانب استمرار الحرب في أوكرانيا وتزايد بؤر التوتر في مناطق مختلفة.

ولا تبدأ أستراليا هذا المسار من الصفر، إذ تمتلك سجلاً طويلاً في عمليات حفظ السلام والوساطة السياسية. فقد لعبت دوراً محورياً في استعادة الاستقرار في تيمور الشرقية عام 1999، كما قادت بعثة المساعدة الإقليمية إلى جزر سليمان، وأسهمت في جهود السلام في بوغانفيل بالتعاون مع نيوزيلندا والأمم المتحدة، إضافة إلى مساهمتها في اتفاق السلام التاريخي في كمبوديا.

كما عززت كانبيرا مكانتها الإنسانية مؤخراً عندما قادت مبادرة داخل الأمم المتحدة لحماية العاملين في المجال الإنساني في مناطق النزاع، وهي المبادرة التي حظيت بدعم أكثر من مئة دولة، ما عزز صورة أستراليا كدولة تدافع عن المبادئ الإنسانية وتسعى إلى إيجاد حلول دبلوماسية للأزمات.

ويتزامن هذا التوجه مع استعداد أستراليا لخوض حملتها للحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي للفترة 2029-2030، وهو ما يجعل تعزيز دورها كوسيط دولي خطوة قد تدعم مكانتها السياسية والدبلوماسية على الساحة العالمية.

ويرى مراقبون أن منطقة المحيطين الهندي والهادئ ستكون الأكثر تأثراً بتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفرض على الدول المتوسطة مثل أستراليا العمل على إنشاء ما يمكن وصفه بـ”حواجز دبلوماسية” تمنع تحول الخلافات السياسية إلى مواجهات عسكرية، وتحافظ على حرية التجارة والاستقرار الاقتصادي الذي تعتمد عليه دول المنطقة.

ويتميز الموقف الأسترالي بعدة عناصر تمنحه مصداقية في جهود الوساطة، من بينها علاقاتها المتوازنة مع عدد كبير من دول العالم، وبعدها الجغرافي عن معظم بؤر الصراع، إضافة إلى تنوعها الثقافي وخبرتها الطويلة في العمل متعدد الأطراف، وهي عوامل تقلل من الشكوك بشأن حيادها.

وفي الوقت نفسه، بدأت دول أخرى بتطوير قدراتها في مجال الوساطة الدولية، إذ تعمل اليابان على إنشاء وحدة متخصصة داخل وزارة خارجيتها، بينما أطلقت الصين منظمة دولية للوساطة في هونغ كونغ، كما تواصل بعض دول الخليج تعزيز حضورها في هذا المجال.

ويرى خبراء أن نجاح أستراليا في ترسيخ نفسها كوسيط موثوق لن يخدم الأمن الإقليمي فحسب، بل سيعزز أيضاً مصالحها الاقتصادية والسياسية، من خلال دعم النظام الدولي القائم على القواعد، وتشجيع الحوار، وتعزيز التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية في الدول الهشة.

وفي عالم تزداد فيه الأزمات تعقيداً، تبدو الدبلوماسية الوقائية والوساطة السياسية من أهم الأدوات التي يمكن لأستراليا توظيفها لحماية مصالحها الوطنية والمساهمة في بناء منطقة أكثر أمناً واستقراراً، مستفيدة من سجلها التاريخي وخبرتها الممتدة في إدارة النزاعات وتعزيز السلام.