رغم استئناف حركة الملاحة تدريجياً عبر مضيق هرمز، تتعامل الحكومة الأسترالية مع الأزمة وكأنها أصبحت من الماضي، خاصة بعد إعلان رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي أن البلاد تمتلك احتياطيات وقود أكبر مما كانت عليه قبل اندلاع التوترات في المنطقة. لكن الواقع يشير إلى أن آثار الأزمة لم تنتهِ، بل بدأت تظهر في قطاعات أكثر أهمية وتأثيراً من مجرد إمدادات الوقود.
خلال فترة إغلاق المضيق، تمكنت أستراليا من تجاوز الصدمة الأولى بفضل المخزونات الاحتياطية وسلاسل الإمداد التي كانت لا تزال تعمل جزئياً. إلا أن هذه الاحتياطيات استُهلكت بشكل كبير، ما يجعل الاقتصاد أكثر هشاشة أمام أي اضطراب جديد قد يطرأ على حركة التجارة العالمية.
ورغم أن أستراليا لا تستورد كميات كبيرة من النفط الخام من الخليج، فإنها تعتمد بشكل كبير على الوقود المكرر القادم من المصافي الآسيوية، والتي تعتمد بدورها على النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز. وتشير تقديرات إلى أن نحو نصف استهلاك أستراليا من وقود الديزل يرتبط بشكل غير مباشر بالنفط العابر لهذا الممر البحري الحيوي. لذلك سارعت الحكومة إلى تعزيز احتياطيات الوقود ورفع الحد الأدنى للمخزون الاستراتيجي، وهي خطوة يراها كثيرون ضرورية لكنها جاءت متأخرة.
لكن المشكلة لا تتوقف عند الوقود فقط. فمضيق هرمز يمثل أيضاً ممراً رئيسياً لما يقارب ثلث تجارة الأسمدة العالمية. ومع تعطل الإنتاج في بعض مصانع الخليج، ارتفعت أسعار الأسمدة إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022، وهو ما ينعكس مباشرة على القطاع الزراعي الأسترالي، خاصة إنتاج القمح الذي يعتمد على الوقود والأسمدة في آن واحد. وإذا كان نقص الوقود يمكن تعويضه خلال أسابيع، فإن ارتفاع تكاليف الأسمدة يؤثر على دورة الإنتاج الزراعي كاملة وقد يمتد أثره لمواسم طويلة.
كما امتدت تداعيات الأزمة إلى قطاع المعادن الحيوية، الذي تراهن عليه أستراليا ليكون أحد أعمدة اقتصادها في المستقبل. فالخليج يوفر نسبة كبيرة من تجارة الكبريت العالمية، وهو عنصر أساسي في إنتاج الأسمدة ومعالجة المعادن مثل النيكل. ومع تعطل الإمدادات وفرض قيود إضافية على بعض الصادرات العالمية، بدأت شركات التعدين في دول مثل إندونيسيا التحذير من خفض الإنتاج، ما يهدد سلاسل التوريد التي تعتمد عليها الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة.
وتبرز هنا مفارقة اقتصادية؛ فارتفاع أسعار الطاقة قد يحقق مكاسب لصادرات أستراليا من الغاز الطبيعي والفحم، لكنه في المقابل يزيد من تكلفة إنشاء الصناعات التي تعتمد عليها البلاد في التحول نحو الاقتصاد الأخضر، مثل مشاريع المعادن الحرجة والطاقة المتجددة.
لذلك يرى مراقبون أن التركيز على زيادة مخزون الديزل وحده لا يكفي لتعزيز الأمن الاقتصادي. فالتحدي الحقيقي يكمن في تقليل الاعتماد على عدد محدود من الموردين والممرات البحرية التي أصبحت تتحكم في إمدادات الوقود والأسمدة والمعادن الأساسية معاً. وما كشفته أزمة هرمز هو أن مرونة الاقتصاد الأسترالي لا تقاس فقط بعدد أيام احتياطي الوقود، بل بقدرته على تنويع مصادر الإمداد وحماية سلاسل التوريد الحيوية من أي أزمات مستقبلية.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

