وأنا أتابع هذه العجقة المتسارعة للأخبار المفبركة التي تزيد من تلف خلايا المخ، في زمن صار الدم فيه لغة متداولة والفتن عادة يومية كالصلاة، أصبحت نفسي تبحث عن غصن زيتون يقاوم العاصفة وقلب لا يسمح للقسوة أن تطفئ مصباحه، وقفة تأملية والدخول
إلى عمق النفس التي يصعب عليها النسيان ، ليست لأنها عاجزة عن تجاوز حالة الألم بل لأنها ترى في بعض العلاقات الإنسانية أحداث وجودية لا مجرد علاقة عابرة….!! كل لقاء
يترك بصمته في تكويننا الداخلي، وحين يغيب يبقى أثره حاضرا في هندسة هذا الجسد الذي عجز فلاسفة وأطباء هذا العالم الوصول إلى حقيقته.
ثمة جوع لا يسدّه الطعام ولا يرويه الماء، جوع الروح إلى من تحب وهي من أهم الاحتياجات الإنسانية التي تقتات عليها النفس بغياب من تُحِبّهم
ابن الفارض : وما زلتُ إيّاه وإيّايَ لم تزل
ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبَّت
أسمّي هذا الجوع مجازا القمح الأسود مرّ المذاق لأنه مكون من ذكريات وانتظار وحنين….
بيولوجيا العقل العاطفي لا يتقبل الفراق ويحتاج الدماغ وقت طويل لاعادة تنظيم نفسه والتكيف مما يؤدي إلى ارهاق نفسي وجسدي طويل الأمد وعميق الأثر ، فتتحول زيارة تعبر من الماضي لتصبح مقيمة دائمة…
ولي فيكَ رُوحٌ قد تملَّكت أمرها
فإن شئتَ فاحفظها وإن شئتَ فأتلفِ
نحن كائنات تعيش في ماضيها * حالة تزداد كلما تقدمنا بالعمر* ونفكر بالقادم ونريد التأقلم مع الحاضر كالشجرة التي تحمل حلقات عمرها في جذعها، نوستالجيا إعادة اتصالنا بماضينا لكي لانشعر بالإنقطاع عن ذاتنا فنعطي اللحظات البعيدة هالة من القداسة والحنين إلى شخص غاب، هو اشتياق إلى جزء من ذاتك رَحلَت مَعه، نبكي المعاني والصورة التي كُنّا عليها عندما كان معنا….
حين امتلأ القلب بالنور
صار كلُّ مافي العالم سلاما
ونجعل من هذا الإبتعاد غذاء للنفس نعجن مكوناته لنقتات على كلمة قيلت وحلم لم يكتمل وخبز لا يُشبِع إنه الخبز الأسود عدو النفس والجهاز المناعي ، هذه الروح لا تتخلى بل تحتفظ ببزرة الحزن حتى تذبل وتفنى.
تُغلق في وجهنا أبواب لا حصر لها والتجاوز عادة ليس بالنسيان بل بالتصالح، أن نتقبل ونعبر الغيمات وليأخذ كل من جَفا مِرآته معه ليتذكر أيّ وَجه خَسِره…
وتعود النفس النقية إلى نورها الذي لا ينطفئ، فالسلام ليس حالة عابرة ، بل يولد مع النفس التي انحنت للنور.


