بصوته المتحشرجِ أتبعتُهُ، ذاكَ الطيفِ البعيدِ يقترب، يأخُذُني إلى غربةِ الليلِ المتشحِ بالصمتِ، اقترب من مَنطقةِ العينِ، توقفتُ، نفثت كل ما تبقى مني في الهواء، استنشقته رغم خرابهِ، ضجّ السكونُ داخلي وفُرط الأرقُ.

في يوم ما، اشتعلتُ من مجردِ كلمةٍ حُلوةٍ قيلت، انفتحت ردهة القلب، سمعت الصدى يناديني، ترجلتُ نحوهُ انبهارا، قلت، هناك تكمنُ راحةَ البالِ، وعندما أدركت بؤرة الحقيقة، أقلقتني تجاويفَها، للحقيقة أصوات وأصداء لا تسمعها الأذن، توارى الصدى، اختفى لون اللازورد وظهر سواد البحرِ، ما تخيلتهُ لم يكن، غاب!

قفزت قفزة واحدة، أصبحت خارجَ المكانِ، لجأت إلى جزءٍ آخرٍ من العالم، علّي أجدُ السكينةَ، هربت مما يؤرقني ويوجع قلبي المكلوم، فعلت أخطاء معيبة، أحداث كثيرة حدثت معي في السابق، التاريخ كومة أوساخ، مليء بالهفوات، أخطاء صعب أن تغتفر، كنت جزء لا يتجزأ منه، لم أحسب حسابات المستقبل، ولا حسابات السنين، ولا عقاب الضميرّ!

دون أن أدري، تمسكت بصخرة خشنة، قادتني إلى قدري، بدأت أولى خطوات النهاية، هل أتابع أم أقف مكاني دون حراك؟ لم أستطع التنصل، تابعت.

الليل في قطعه سفاح مهيب، ركلت الحجارة الصماء، أخبرني ضميري ” فضيلة القلب لا تعيد فضيلة الأيدي!”، هل أتحدث عن الفضيلة!

اندسّت يدي داخل شق صخرة عملاقة، تلك التي حجبت عني أطراف السماء، سرعان ما أخرجتها، تفقدت أناملي، عددتها، واحدة، إثنتان، ثلاثة، رابعة وخامسة، انطوى الإبهام على ذاته، انضم على نفسه، لم يستقم، غبشت الرؤية!

خرجت من صدري قطرة ماء واحدة، تلألأت، بدت مثل نجمة صبت جمر نورها، من أين وافتني القطرة، من آواها هنا حيث نبض القلب، تحوّل إلى مأوى قطرات متتالية، نزفها وجهي، سالت من ذقني، أنزف عرقا لا دماء، الفرق شاسع، لونين غير متشابهين!

تجمعت النجمات على بقعة بيضاء، بياضي جميل، عنقي أبيض غارق بالماء، سجدت القطرات بين ثديّي وأترعت، انعكست الأضواء، اتحدت مع نجمات السماء، صافية تلك الليلة، أمضيتها في العراء، بحثت عن دليل يقودني إلى نفسي، ويعيدني من التيه، هل ينظف الضمير!

خاصمني البحر، هاج وماج، أغرق الصخرة، انسربت منها حشرجة بلغة لا أفهمها، طرقت أبواب السكون، كلا، لم تعث الحشرات في المكان، هو سراب سمعي، فصل من فصول أوهامي الثقيلة، من أكون، من رمى بي إلى هنا؟ أطمع بأكثر من هذه الحشرجة التي لا تهدأ، هربت من فواجع العالم، وصلت إلى حيث لا أدري! يلعب المكان دورا بخسا في عالمي المأزوم، أنا بطلة الحكاية، رافقني الأرق، أين أنا، ما هذا الصوت الذي يراودني عن قرب، يعيدني إلى حقيقة نفسي؟ أريد أن أهرب منها، نفسي ملوثة!

صوت يقول:

–  ضعي السمّ على شفتيكِ، قبّليها، يموت الضمير، وتواصلي مع حلمكِ!

صوت الأنا يخاطبني، يحدثني بلغة العنف والقتل:

–          حان وقت موتكِ لأعيش، أنا الميتة منذ عصور، أنا أحق منكِ بالحياة!

–          دعيني أتواصل مع حبيبتي الحياة!

–          أنا ابنة الضمير!

–          وأنا ابنة الحياة!

–          في موتكِ حياتي، دعيني وغادري!

–          مستحيل، لا تقتليني!

–          سوف اعيش على ذكراكِ!

–          دعينا نعش معا، ولدنا معا توأمين، ونموت معا!

–          الضمير والأنا لا يتفقان، لماذا تتقاعسين، امضغِ السمّ وغادري!

يلف الصمت المكان، تختفي الحشرجات فجأة، ينقشع الليل، يظهر ضوء النهار في الأفق، لا أحد هنا، سواي، والضمير، نقفل على أنفسنا صندوق الحقيقة، تصبح الحقيقة أكبر عاهرة إن ظهرت، وتكون عاهرة أكثر إن اختفت، الحقيقة صخرة عملاقة، ماذا يحصل إن انفجرت؟

سوف تنساب منها ثعابين الليل، تكون ضعيفة، تقوى في النهار، عاهر هذا التقاعس البحث عن مهرب، الحقيقة مرّة، أين هي الأنا ذاتي، أين أهرب منها، كيف لي الهرب مما اقترفت يداي، هل أقطع يدي؟ شاركت في صناعة الموت، عشرات، بل مئات، بل آلاف القتلى، قتلوا بدم بارد! وقّعت على صفحة مليئة بالتواقيع، لم أكن وحدي ممن وقّعوا، ما يزالون يوقّعون، هربت منهم، لماذا لا يهربون مثلي، لماذا التقاعس؟

لم يكن وهم ولا خيال، ثعبان عاهر، يغزو المساحة ما بيني وبينه، قامته مرقطة، مخيف، مميت، يقف جامحا والشمس في اشتداد، يقترب كثيرا، يتأهب، يريد غرز نابه في قدمي، غزى الخوف وجهي، تحولتُ إلى جوكر يلهو في مساحة التردي، تذكرت وجوه القتلى وأجسادهم الملطخة بالدماء، عيونهم الجاحظة وبطونهم المنتفخة، جاء الثعبان يخلصني من عذاب الضمير، هل أهرب منه، أم أدعه يغرز السمّ في شفتيّ!

يدنو مني، حان موعد العقاب، سوف يخلصني من عذاب الضمير، عذاب لا يكل ولا يهدأ، لن أهرب منه، سأبقى، لن أواجهه، سوف أستسلم، يخلصني من عذاب الضمير، أنا قاتلة، لتنسحب من صدري جميع النجمات.

  • – –  –

قراءة نقدية للنص

نص يمتلك طاقة سردية واضحة، يعتمد على الصراع النفسي بين الضمير والرغبة في الهروب من الذنب، موضوع إنساني عميق.

ينتمي النص إلى السرد النفسي الذي يجعل من الذات مسرحا للأحداث، لا تدور المعركة في الخارج بقدر ما تدور في أعماق الشخصية. تبدأ الحكاية بصورة إنسان تائه في العراء يبحث عن سبيل للخلاص، لكن هذا العراء ليس مكانا جغرافيا بقدر ما هو فضاء روحي يعكس حالة الضياع الداخلي.

نجحت الكاتبة في توظيف الرمز بشكل لافت؛ فالحشرات التي تطارد البطلة ليست مجرد كائنات حقيقية، بل تبدو تجسيدا للذكريات الثقيلة، والذنوب، والندم الذي يلاحق الإنسان مهما حاول الفرار منه، أما البحر والصخرة والليل والثعبان، فهي عناصر رمزية تشارك في بناء عالم كابوسي يعكس اضطراب النفس.

ومن أبرز نقاط القوة في النص الحوار الداخلي بين البطلة وصوت الضمير، تحوّل الضمير إلى شخصية مستقلة تمتلك صوتا وحضورا، حتى بدا الحوار أشبه بمحاكمة أخلاقية، منح هذا الأسلوب النص حيوية درامية، وأخرج السرد من الوصف إلى المواجهة.

لغويا، يعتمد النص على لغة شعرية كثيفة تمتلئ بالاستعارات والصور، مثل:

“الحقيقة صخرة عملاقة، ماذا يحصل إن انفجرت؟”

صورا تمنح الحقيقة بعدا ماديا هائلا، وتكشف خوف الشخصية من المواجهة ذاتها، كما أن تكرار الأسئلة يعكس حالة القلق والتردد والانقسام النفسي.

على مستوى البناء، يتحرك النص من الضياع إلى المواجهة ثم إلى الاستسلام للحقيقة، بنية درامية متماسكة، تنتهي بإدراك أن الهروب من الذات مستحيل، وأن العقاب الحقيقي ليس الموت بل مواجهة الضمير.

خلاصة نقدية

النص قصة نفسية رمزية تتناول صراع الإنسان مع ضميره بلغة شاعرية عالية، تمتاز بقوة التصوير الداخلي وثراء الرموز، بينما تحتاج أحيانا إلى قدر أكبر من التكثيف وضبط تدفق الصور. في مجملها تجربة أدبية تقترب من أدب الاعترافات والرواية النفسية، حيث تصبح الحقيقة الخصم الأكبر للإنسان والهروب منها ضربا من الوهم.