النبطية وصور تحت الضغط: الجنوب بين التصعيد الإسرائيلي وتعقيدات التهدئة

يشهد جنوب لبنان تصعيدًا عسكريًا ميدانيًا متزايدًا، بعدما وسّعت إسرائيل نطاق هجماتها لتطال مناطق عدّة، ولا سيما النبطية وصور، في وقت لا تزال فيه آفاق التهدئة غامضة وغير قادرة حتى الآن على وقف آلة الحرب.

وبحسب ما نقلته تقارير إعلامية عن مصادر سياسية لبنانية مواكبة لمسار التهدئة، فإن الضربات التي طالت النبطية وصور جعلت أي بحث في ترتيبات أمنية لاحقة أكثر تعقيدًا، خصوصًا أن استهداف مدن رئيسية في الجنوب يضع الحكومة اللبنانية أمام ضغط أمني وسياسي مضاعف. فبيروت، المطالَبة بتثبيت انتشار الجيش اللبناني قرب الحدود، تحتاج في المقابل إلى ضمانات واضحة تمنع استمرار القصف الإسرائيلي كوسيلة ضغط لفرض شروط إضافية قبل البحث الجدي في الانسحاب الإسرائيلي.

وتُعدّ النبطية وصور منطقتين بالغتي الحساسية في الحسابات الميدانية والسياسية. فالنبطية تشكّل نقطة ربط داخلية باتجاه محيط الليطاني ومرتفعات الشقيف، فيما تمسك صور بالممر الساحلي الحيوي باتجاه صيدا وبيروت. ومن هنا، يبدو أن استهداف المدينتين لا ينفصل عن محاولة التأثير في خرائط الحركة والتموضع قبل تثبيت أي ترتيب سياسي أو أمني في الجنوب.

وفي هذا السياق، تزداد المخاوف من أن تستخدم إسرائيل استمرار القصف لرفع سقف مطالبها داخل مسار التفاوض، خصوصًا في ما يتعلق بعمق المنطقة الأمنية المطلوبة، وآليات الرقابة، وطبيعة الانتشار اللبناني قرب الحدود والطرق الداخلية ومحيط الليطاني.

أما الحكومة اللبنانية، فتجد نفسها أمام معادلة دقيقة: فهي من جهة مطالبة بإظهار قدرة الدولة على بسط سلطتها وتعزيز حضور الجيش، ومن جهة أخرى لا تستطيع الدخول في أي ترتيب أمني مستقر من دون ضمانات دولية واضحة توقف التصعيد وتمنع تحويل القصف إلى أداة تفاوض دائمة.

ما يجري في الجنوب لم يعد مجرد تصعيد ميداني عابر، بل بات اختبارًا لمسار كامل: هل تنجح الضغوط الدبلوماسية في فتح باب التهدئة والانسحاب، أم أن توسيع الضربات سيقود إلى مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا؟

في النهاية، يبقى الجنوب تحت النار، وتبقى النبطية وصور عنوانًا لمرحلة حساسة، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالمسارات السياسية، وينتظر اللبنانيون جوابًا واضحًا: متى يتوقف القصف، ومتى تبدأ الدولة باستعادة زمام المبادرة؟