تشهد أستراليا مرحلة اقتصادية دقيقة مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل إلى مستويات مقلقة، حيث تجاوزت نسبة العائد على السندات لأجل 10 سنوات حاجز 5%. هذا التطور يعكس تزايد القلق لدى الأسواق العالمية بشأن التضخم وقدرة الحكومة على السيطرة عليه، خاصة في ظل تداعيات الحرب في إيران التي دفعت أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة خلال فترة قصيرة.
ارتفاع أسعار الطاقة انعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج، ما أدى إلى زيادة الأسعار على المستهلكين. هذا النوع من التضخم، المعروف بـ”تضخم التكاليف”، بدأ يظهر بوضوح في البيانات الرسمية، حيث بلغ معدل التضخم السنوي 4.6% في مارس، مع توقعات بمزيد من الارتفاع في الفترة المقبلة. وقد حذر وزير الخزانة من أن الضغوط التضخمية قد تستمر قبل أن تبدأ في التراجع.
لفهم الصورة بشكل أوضح، تمتلك أستراليا دينًا حكوميًا يقارب تريليون دولار. هذا الدين يتم تمويله من خلال إصدار سندات حكومية تشتريها مؤسسات مالية مثل البنوك وصناديق التقاعد. لكن مع تراجع شهية المستثمرين لهذه السندات مؤخرًا، ارتفعت العوائد المطلوبة، ما يعني أن الحكومة ستدفع فوائد أعلى عند الاقتراض.
عادة ما يُنظر إلى السندات الحكومية كأصول منخفضة المخاطر، لكن ارتفاع عوائدها بهذا الشكل يشير إلى أن المستثمرين يرون مخاطر أكبر، خصوصًا مقارنة بالسندات الأمريكية التي لا تزال عند مستويات أقل. هذا الفارق يعكس فقدان بعض الثقة في استقرار التضخم والسياسات الاقتصادية المحلية.
المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، إذ إن ارتفاع تكاليف الاقتراض سيؤثر بشكل مباشر على الموازنة العامة. فكل زيادة في أسعار الفائدة تعني مليارات إضافية يجب دفعها سنويًا كخدمة للدين. ومع اقتراب موعد إعادة تمويل ديون تم اقتراضها خلال فترة جائحة كورونا بأسعار منخفضة، ستجد الحكومة نفسها مضطرة للاقتراض بأسعار أعلى بكثير.
هذا الوضع قد يؤدي إلى حلقة مفرغة: ارتفاع الدين يؤدي إلى زيادة الفوائد، ما يضغط على الميزانية، ويقلل من قدرة الحكومة على دعم الاقتصاد في فترات التباطؤ. وفي الوقت نفسه، قد يستفيد الاقتصاد جزئيًا من التضخم عبر زيادة الإيرادات الضريبية، حيث تؤدي زيادة الأجور إلى انتقال الأفراد إلى شرائح ضريبية أعلى.
ببساطة، أستراليا تواجه تحديًا مزدوجًا: السيطرة على التضخم من جهة، وإدارة عبء الديون المتزايد من جهة أخرى. وإذا لم يتم التعامل مع هذه الضغوط بحذر، فقد تتفاقم التكاليف الاقتصادية وتؤثر على النمو والاستقرار المالي في السنوات القادمة.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

