أعرف يا سيّد ان الشتيمة هي سلاح فاقد الحجّة، وان الإهانة هي رصاصة المفلس الأخيرة. وأعرف انك ما تجاوزت نبل الكلام وما لامستَ حديقة اللئام، وكنتَ مناقبياً في إحاطتك اللبنانيين جميعاً ، نعم جميعاً ، همومهم وقضاياهم وهواجسهم. لم تفرّق ولم تفرز او تقسّم، أقمتَ القداديس في قانا الجليل وفي البقاع وطرابلس والجبل وعكار كما في جزين ورميش وجونية وحريصا.

وأعرف يا سيّد ان مجدَ لبنان الذي اعطي لبكركي يترنّح اليوم على أيدي الذين تغيظهم عزّته وسيادته. وباتت العمالة لديهم طعنة في صدر من يخالفهم الرأي، والجنوح الأخلاقي سلاحاً لإسكات الأصوات السيادية. وكأن تشويه صورة البطريرك بصورة مقزّزة يُكسبهم رهاناتهم؟.

وأعرف أن مصادرة القرار والموقف ليست بسهولة مصادرة الأرض والأملاك.

واعرف يا سيّد ان طيب الكلام بات جنحة يقابلها التخوين وأن زينة المواقف جريمة يقابلها التشكيك، وأن التمسك بالسيادة صفة تُلحق صاحبها بالصهيونية.

كنتُ آثرتُ يا سيد ان أنأى بنفسي عن سجالات الزيف والخجل، لكن التطاول على صخرة بكركي أعفاني من التزام الصمت، لأن صخرة لبنان الكبير تصرخ اليوم وقد صغّروه، تتلقّى السهام على يد من يهونه تفتيتها، لأنها دحرجت الحجر الف مرّة من اجل قيامة لبنان؟!.
المقامات الدينية يا سّيد على اختلافها، ليست مكسر عصا المحبطين والناقمين، بل هي رموز لبثّ الإرشاد والرويّة ويجب أن تبقى منزّهة عن لوثات العابثين.

أستذكر اليوم يا سيّد كلام أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال :” وتعطّلت لغة الكلام”

لكن لغة شوقي تعطّلت امام الحب، واليوم تتعطّل اللغة امام  الكراهية وعدم تقبل الرأي الآخر، تتعطّل بسبب إنكار الواقع  وإلغاء الشريك في الوطن.

لا عليك يا سيّد، دعهم يفشّون خلقهم، ربما  إذا شفيتَ غليلهم يقتربون قليلاً من الواقع ويعودون إلى القواميس ، إلى مفردات الاحترام والخطاب الموضوعي.

وانت ضحية الجلّادين اليوم يا سيّد ، جئتُ اهمس في أذنيك وأخبرك انني طلّقت الكتابة عن لبنان، ليس لأنني ما عدت أحبه بل “على مَن اقرأ مزاميري” ؟

لن انشر يا سيّد الرسوم التي نشروها عنك، لأنني لن اكررَ نشر العيب، ولن اعيد العبارات التي قيلت فيك، لأنني ما تعوّدت الكتابة إلا بلغة سيبويه.

ربّما كان عليك أن تتخلّى عن لبنان الياس الحويك، وعن جياع أنطون عريضة وعن صلابة نصرالله صفير لتنال رضى الذين بشوّهون صورتك اليوم؟.

أعرف أن السقوف العالية لن تنال منك لأن صرحكَ سقفُه السماء، وأعرف أن من يتنطّح عليك اليوم هو قليل من كثير، وأن بطريرك أنطاكية سيبقى يضيء المصابيح في ليل هذا الوطن لينعم بنورها أبناء مرقد العززة دون استثناء.

سامحهم يا سيد، رغم أنهم يدرون ماذا يفعلون، سنبقى ننتظرهم، والوطن ينتظرهم، وبكركي ايضاً؟!.

وسنذبح الخروف المسمّن للإبن الشاطر؟!.