الصندوق الجديد، الذي يُتوقع أن تضخ فيه الحكومة الفيدرالية نحو 500 مليون دولار أسترالي بالشراكة مع القطاع الخاص، يُعد خطوة إيجابية من حيث المبدأ. فكرة مشاركة المخاطر وجذب الاستثمارات الخاصة تبدو منطقية، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا الاستراتيجية. لكن خلف هذا التفاؤل، تظهر تساؤلات جوهرية من قبل المستثمرين والشركات حول كيفية إدارة الصندوق، وآلياته، وعلاقته بعمليات الشراء الحكومي.
هذا الغموض ليس جديدًا. فأستراليا تمتلك بالفعل عدة أدوات استثمارية مثل “صندوق المستقبل” وبرامج إعادة بناء الصناعة ومبادرات “صُنع في أستراليا”. ورغم أن كل أداة تستهدف جانبًا مختلفًا من الاقتصاد، إلا أن الصورة العامة أصبحت معقدة، خاصة بالنسبة لرواد الأعمال والمستثمرين الذين يجدون صعوبة في فهم كيفية الترابط بين هذه البرامج.
المشكلة الحقيقية ليست في تعدد الأدوات، بل في غياب رؤية موحدة تجمعها. في الأنظمة المتقدمة، من الطبيعي وجود مصادر تمويل متعددة، لكن ما يميزها هو وضوح الهدف النهائي. أما في الحالة الأسترالية، فتبدو البرامج وكأنها تتوسع أسرع من قدرتها على شرح دورها ضمن استراتيجية وطنية متكاملة.
صندوق ACI يُفترض أن يكون حلقة وصل بين تطوير التكنولوجيا وتطبيقها العملي، وبين رأس المال الخاص والمصلحة الوطنية، وكذلك بين الاستخدامات المدنية والعسكرية. لكن هذا الدور “الجسري” يتطلب وضوحًا في الاتجاه، لأن أي جسر لا يمكن أن ينجح إذا كانت نهاياته غير ثابتة.
التحدي الأكبر يكمن في تحديد وظيفة الصندوق: هل هو أداة اقتصادية لدعم الشركات الناشئة؟ أم وسيلة لتعزيز القدرات الدفاعية؟ أم استثمار تجاري يهدف لتحقيق أرباح؟ محاولة الجمع بين هذه الأهداف قد تؤدي إلى تصميم غير واضح ونتائج يصعب قياسها.
إذا تم التركيز على العائد المالي فقط، فقد يتجه الصندوق نحو استثمارات أقل مخاطرة وأكثر ربحية، لكنه سيتجاهل التحديات الاستراتيجية الأكثر تعقيدًا. أما إذا تحول إلى أداة شبه عسكرية، فقد يتداخل مع أنظمة قائمة ويخلق ارتباكًا بين الاستثمار والشراء الحكومي.
الحل الأكثر توازنًا قد يكون اعتماد نموذج “صندوق الصناديق”، حيث تستثمر الحكومة في مديري استثمار متخصصين بدل إدارة الأموال مباشرة. هذا النهج يوزع المخاطر، ويستفيد من خبرات السوق، ويقلل من تدخل الحكومة المباشر في اختيار الشركات.
لكن حتى هذا النموذج لن يكون كافيًا دون رؤية واضحة تربط التمويل بالنتائج. فإذا لم يتمكن الصندوق من تحويل الاستثمارات إلى قدرات فعلية على أرض الواقع، فإن قيمته ستبقى محدودة.
في النهاية، لن يُقاس نجاح الصندوق بحجم الأموال التي يضخها، بل بقدرته على تحويل الابتكار إلى إنجازات ملموسة. وإذا فشل في ذلك، فقد يكون من الأفضل توجيه هذه الأموال مباشرة نحو شراء القدرات بدلاً من الاستثمار غير الواضح.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

