في خضم التوترات الدولية المتسارعة، عادت أستراليا لتتحدث مجددًا عن مفهوم “الاعتماد الدفاعي على الذات”، وهو المفهوم الذي شكّل لعقود طويلة حجر الأساس في استراتيجيتها العسكرية. غير أن هذا التوجه الجديد يثير تساؤلات جدية، خاصة مع استمرار التزام كانبيرا باتفاقية AUKUS، التي تقوم على شراكة أمنية عميقة مع الولايات المتحدة وبريطانيا، وعلى رأسها مشروع الغواصات النووية.

في الواقع، فكرة الاعتماد على الذات ليست جديدة على أستراليا. فقد تعود جذورها إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما سعت الحكومات المتعاقبة إلى بناء قوة دفاعية مستقلة، تركز على حماية المصالح الوطنية دون الانخراط الكامل في أولويات حلفائها. وكان هذا التوجه يحظى بإجماع سياسي واسع، واستمر لعقود كنهج ثابت في التخطيط العسكري.

لكن التحول الكبير حدث في السنوات الأخيرة، خاصة منذ عام 2021، عندما قررت الحكومة الأسترالية السابقة الانضمام إلى تحالف AUKUS. هذا القرار لم يكن مجرد تعاون تقني، بل مثّل انتقالًا استراتيجيًا نحو الاندماج في المنظومة الدفاعية الأمريكية، خصوصًا في سياق التنافس المتصاعد مع الصين. ومن هنا، بدأ كثيرون يتساءلون: هل يمكن لأستراليا أن تحافظ على استقلالها الدفاعي وهي مرتبطة بهذا الشكل الوثيق مع قوى كبرى؟

المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة مشروع الغواصات النووية نفسه. فهذه الغواصات تتطلب استثمارات هائلة قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، إضافة إلى اعتماد تقني طويل الأمد على الولايات المتحدة. وهذا يعني أن أستراليا لن تكون قادرة على تشغيل أو صيانة هذه المنظومة بشكل مستقل بالكامل، ما يتعارض مع فكرة “الاكتفاء الدفاعي”.

علاوة على ذلك، هناك مخاوف من أن يؤدي هذا الالتزام المالي الضخم إلى استنزاف الموارد الدفاعية، على حساب أولويات أخرى أكثر ارتباطًا بالأمن المحلي. فبدلًا من تطوير قدرات دفاعية مرنة ومناسبة للبيئة الإقليمية، قد تجد أستراليا نفسها جزءًا من استراتيجية أوسع لا تتحكم فيها بالكامل.

من ناحية أخرى، يشير التاريخ إلى أن العلاقة مع الولايات المتحدة لم تكن دائمًا ثابتة أو مضمونة. فالمصالح الأمريكية قد تتغير بمرور الوقت، وهو ما يضع أستراليا أمام احتمال الاعتماد على شريك قد لا تكون أولوياته متطابقة دائمًا مع مصالحها الوطنية.

في ضوء كل ذلك، يبدو أن الجمع بين “الاعتماد الدفاعي على الذات” ومشروع الغواصات النووية يمثل تناقضًا حقيقيًا. فإما أن تختار أستراليا طريق الاستقلال الاستراتيجي، أو تستمر في تعميق تحالفاتها العسكرية مع القوى الكبرى. أما محاولة الجمع بين الاثنين، فقد تكون معادلة صعبة، إن لم تكن مستحيلة.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع أستراليا إعادة التوازن بين طموح الاستقلال وواقع التحالفات، أم أنها مضطرة للاختيار بينهما في عالم يزداد تعقيدًا؟