تُظهر دبلوماسية عدم الانحياز التي تبنتها جزر المحيط الهادئ نهجًا براغماتيًا وفعالًا في تأمين مصالحها. وقد حقق التعامل مع جميع الشركاء، سواء كانت الصين أو الولايات المتحدة، فوائد ملموسة لهذه الجزر. ومع ذلك، أثار هذا النهج قلق أستراليا ونيوزيلندا بشأن الأمن الإقليمي.

استراتيجيات متفرقة

اتخذت كل من أستراليا ونيوزيلندا استراتيجيات مختلفة للتعامل مع هذا الوضع. فمن جهة، ركزت أستراليا على تقديم حزم مساعدات أمنية كبيرة، مثل حزمة الـ 190 مليون دولار لجزر سليمان، والتي تهدف إلى تعزيز قدراتها الأمنية المحلية وكبح النفوذ الصيني في المنطقة. كما قامت بتعزيز علاقاتها مع بابوا غينيا الجديدة وناورو من خلال اتفاقيات أمنية ودفاعية، بالإضافة إلى تمويل البنية التحتية الحيوية.

أما نيوزيلندا، التي لا تمتلك نفس القدرات المالية لأستراليا، فقد اختارت توسيع نفوذها عبر ترتيبات مثل الإعفاء من التأشيرات لدول أعضاء منتدى جزر المحيط الهادئ.

خلافات دبلوماسية

على الرغم من أن أستراليا ونيوزيلندا قد تبدوان وكأنهما تعملان معًا، إلا أن نهج كل منهما يكشف عن اختلافات كبيرة. فقد شهدت علاقات نيوزيلندا مع بعض دول الجزر الصغيرة توترات دبلوماسية، حيث أثار وزير خارجيتها، ونستون بيترز، مراجعة لحزم المساعدات الثنائية مع كيريباتي وجزر كوك، وذلك بعد تزايد انخراط هذه الدول مع الصين. هذا الإجراء، وإن كان قد يكون مجرد مراجعة إجرائية، فإنه يحمل في طياته رسالة مفادها أن اختيار الشركاء قد تكون له تداعيات.

تعميق العلاقات أم تهديد للسيادة؟

في المقابل، تمكنت أستراليا من تعميق علاقاتها عبر اتفاقيات واسعة النطاق. فبموجب اتفاقية فاليبيلي مع توفالو، على سبيل المثال، تم إنشاء مسارات هجرة إلى أستراليا، مما يربط بين البلدين بشكل وثيق في مواجهة آثار التغير المناخي. وبالمثل، تساهم الاتفاقية مع ناورو في تعزيز مكانة أستراليا الإقليمية من خلال بناء علاقات مؤسسية أعمق.

لكن هذا النفوذ المتزايد لا يخلو من المخاوف، خاصة فيما يتعلق بمسألة السيادة. قد يكون من المقلق بالنسبة للمنطقة الأوسع أن يُنظر إلى أستراليا على أنها تسعى لتأمين مصالحها من خلال “حق النقض” على الترتيبات الثنائية الأخرى.

مسارات نحو التعاون الإقليمي

يمثل الخلاف بين جزر كوك ونيوزيلندا اختبارًا حقيقيًا لمدى صدق الوحدة الإقليمية. وفي هذا السياق، يمكن للمؤسسات القائمة مثل منتدى جزر المحيط الهادئ أن تلعب دورًا حيويًا. يمكن للمنتدى أن يصبح هيئة وساطة لحل النزاعات، خاصة تلك التي تشمل أستراليا ونيوزيلندا، مما يعزز العلاقات الإقليمية الأوسع.

ويمثل اجتماع القمة المقرر في جزر سليمان فرصة مهمة لاستكشاف هذا النهج. يمكن أن يثبت هذا الحدث قوة المنتدى كهيئة إقليمية، ويوفر لأكبر دولتين عضوين، أستراليا ونيوزيلندا، فرصة فريدة للتفاعل مع جميع الدول الجزرية الصغيرة دون تدخلات خارجية.

كما قال رئيس وزراء بابوا غينيا الجديدة، جيمس مارابي، في خطابه أمام البرلمان الأسترالي: “نحن جيران… لن نذهب إلى أي مكان… ليس لدينا خيار سوى أن نتعايش”. هذه العبارة تلخص التحدي والفرصة في آن واحد، حيث يجب على المنطقة أن تجد طريقها نحو مرحلة جديدة من التعاون.