خاص بجريدة التلغراف
بقلم كنده سماره – ملبورن
وصلتني آلة الزمن وأنا اليوم في مزاج لا يسمح لي بالتنقل فهو يوم حار سديمي ماطر!! أكره الفصول الانتقالية … وأحب الوضوح والثبات.
لكني لن أفوت علي فرصة استخدام الآلة فطلبت منها أن توصلني إلى يوم لا أعرف عنه سوى أنه يوم من أيام عيد الميلاد وذلك لفصل غير معروف ولعام مجهول لا وجود له إلا في ذاكرة حكايا الأطفال.. لم أحدده وذلك لمعرفتي بغباء الآلات وخاصة في مواضيع الأدب والثقافة.
اقترحت على تلك الآلة والتي أرّجح انها تمت بصلة قرابة لمحرك البحث «غوغل»- أن تبحث لي في ذاكرتها عن اسم كاتب دنماركي مشهور بقصصه من عائلة هانس. اكتفيت بتلك المعلومة لأن من واجب الآله أن تقودني لا أن أقودها..
كنت مستمتعة بانزعاجها وارتباكها وأنا أقرأ إحدى العناوين العريضة المكتوبة في الجريدة اليومية والتي تتحدث عن موقف علماء الدين من رصد موجات الجاذبية ونظرية ألبرت انيشتاين.
أضاءت الآلة الزر الأخضر ووفقا لمعلوماتي أنه البداية والانطلاق.. ومن حسن الحظ بأن هذه الآلة لا تتكلم، بل هي تتعامل بلغة الأوامر، فطلبت منها وأثناء رحلتنا الزمنية أن نتوقف عند أقرب محل لشراء علبة ثقاب… ولانها لا تستطيع التذمر بسبب ما قد يحدث من تأخير وزيادة في ساعات عملها، اكتفت بالانعطاف.
لحسن الحظ لم نكن قد غادرنا المجرة بعد، وكنا قريبين من إحدى الدول الأوروبية، لكني لم استطع تحديد البلد لأني دفعت النقود «باليورو» فحرمتني وحدة نقودهم من تعرّف مكاني.
المهم اشتريت علبة ثقاب من النوع الممتاز، أعواد ثقاب طويلة وبطيئة الانطفاء.. فيما بعد ادركت بأنها كانت من افضل علب الثقاب التي سأمسكها في حياتي .. تابعنا الطريق…
قرأت رقم 2000 لكني لم اعرف ما المقصود … أهو عام 2000 أم -2000 كما كتبت لي الآلة على شاشتها: يرجى عدم اللمس.. وإلا..
ولأنني لا أحب مزاح الآلات صدقت تهديدها فلا أريد أن أعلق في عالم لا اعرف عنه سوى بطلته الصغيرة معرفة عابرة.. ليس هناك ما يستحق المجازفة لذا فضلت انتظار الوصول..
شعرت باهتزاز خفيف فعرفت أننا وصلنا .. وفعلا فقد فتح الباب…
المكان عينه تماما… رأيته قبل أعوام طويلة عندما سمعت القصة أول مرة، شجرة عيد عملاقة وسط ساحة بيضاء ناصعة، الناس جميلون جدا وجناتهم وردية دون استعمال أي مساحيق تجميل، سعيدون يتمشون ببطء خوفا على الثلج وهم ينتعلون أحذية عالية دافئة تحمي أقدامهم من الصقيع، والأطفال يلعبون بلطف ووداعة، والصبيان لا يضربون البنات الصغيرات ويبكونهن، حتى القطط عندهم نظيفة جدا.
عثرت على اللوحة كاملة كما هي في مخيلتي، لكني لم اعثر على الفتاة، بطلة القصة… نظرت إلى الآلة بغضب لكني تذكرت أني كنت سبب التأخير فلو أني لم أتوقف لشراء علبة الثقاب لما تأخرنا على القصة… انزعجت لأني اكره أن أهيئ نفسي لحدث ما ثم يلغى المخطط … كنت واثقة أننا تأخرنا على القصة وأنها انتهت من وقت ليس بالبعيد..
جلست قبالة شجرة العيد الكبيرة بينما بدأ الناس بالإسراع مع اقتراب عتمة الليل تذكرت أني لم أحضر معي معطفي السميك، تذكرت ذلك عندما شعرت بلسعات برد قارصة لأكتشف عندها أن كم قميصي تمزق، نظرت حولي كانت المحال مقفلة لذا كان عليّ الإسراع إلى آلتي والعودة. أثناء نهوضي نظرت إلى الشجرة كانت وحيدة ورغم ذلك عملاقة وسط الساحة لا يمكن لأحد تجاهلها… جلست تلقائيا وأنا أحدق… ولا شعوريا مددت يدي إلى جيب بنطالي وأخرجت علبة الثقاب وأشعلت العود الأول -لم يغشني البائع كان فعلا من النوع الممتاز- تكومت لشدة بردي الذي بدأ يتقلص بفضل عود ثقابي.. وفجأة تراءى لي جدي ?وليس جدتي كما كان يجب أن يحدث في الرواية- سلّمت عليه من بعيد وبدأت أقصّ عليه كل ما حدث منذ وفاته وحتى اللحظة وأعواد ثقابي لا تزال صامدة ليس مثل تلك المسكينة التي انتهت علبتها فجأة ولم تستطع اغتنام فرصة رؤية جدها ولا جدتها لإخبارهم بكل ما تريد…
سمعت صوتا قويا فجأة كالصافرة الالكترونية استدرت لأرى آلتي المزعجة تبدأ بتشغيل نفسها، اعتذرت من جدي لثوان قليلة وذهبت أتفقدها، كتبت لي على الشاشة أن دوام عملها قد انتهى وأننا علينا الانطلاق .. لوحت لجدي من بعيد ودخلت تلك الغرفة الالكترونية، ودونما انتباه ضغطت على الشاشة لتظهر أمامي رسالة… تمت عملية الحفظ بنجاح..
لم أفهم.. ولكن أثناء تحركنا وارتفاعنا بدأ عقلي باعادة ما حدث لي وفهمت كل شيء: وصلنا قبل مجيء البطلة الحقيقية بائعة الكبريت ولم نكن متأخرين كما اعتقدت بداية… وهذا يعني أن القصة الآن حفظت ولن تعود بطلة قصة بائعة الكبريت طفلة شقراء صغيرة ذات وجنتين حمراوين وعينين زرقاوين ترتدي فستانا أحمراً ممزقاً.. بل أصبحت تلك الفتاة البائسة سمراء ذات عينين سوداوين واسعتين، ترتدي بنطال جينز أزرق اللون وقميصا أبيض ممزق الكم.

سام نان صحفي وإعلامي مقيم في أستراليا، يعمل مترجماً للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، حيث يتولى نقل وتحرير أبرز الأخبار السياسية والاقتصادية والاجتماعية من الإعلام الأسترالي إلى اللغة العربية.

