لطالما كانت الجغرافيا هي الحاكم الأول في استراتيجيات الدفاع، واليوم تشير البوصلة الأسترالية بوضوح نحو الشمال. لكن المفارقة تكمن في أن هذا “الشمال”، الذي يُفترض أن يكون خط الدفاع الأول ومنطلق الردع، لا يزال يفتقر إلى الركائز الأساسية التي تضمن استمرارية العمليات العسكرية وقت الأزمات.

لقد أكدت الوثائق الاستراتيجية المتعاقبة (منذ عام 2016 وصولاً إلى استراتيجية الدفاع الوطني 2024) أن شمال أستراليا هو الساحة الحاسمة. ومع ذلك، هناك فجوة واضحة بين “الطموح الورقي” وبين الواقع على الأرض؛ فالبنية التحتية والصناعات الدفاعية لم تواكب بعد سرعة التغير في التوجهات السياسية. نحن بحاجة اليوم إلى ما أطلق عليه تقرير معهد ASPI الأخير “المحرك الشمالي”: منظومة دفاعية متكاملة لا تكتفي باستضافة القوات، بل تملك القدرة على الصيانة، الابتكار، وإدارة القوة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

واقع مجزأ في مواجهة تحديات متسارعة

رغم المزايا الاستثنائية التي يوفرها الشمال—سواء لقربه من الأرخبيل الآسيوي أو لمساحات التدريب الشاسعة—إلا أن هذه المزايا تظل “معطلة” بسبب التشتت. الشمال حالياً ليس نظاماً تشغيلياً موحداً، بل هو أشبه بمجموعة متناثرة من القواعد والمطارات التي تفتقر إلى الرابط العضوي الذي يسمح بإدارة عمليات عالية الكثافة.

الأمر المثير للقلق هو “الاختلال الاستراتيجي”؛ فبينما تزداد حاجة أستراليا للتحرك انطلاقاً من الشمال، نجد أن التواجد العسكري الفعلي هناك قد تراجع، مع انتقال القوات الميكانيكية وسلاح الطيران نحو الجنوب. هذا التراجع يضعف القدرة على الاستجابة السريعة، لأن “الجاهزية” لا يمكن تصنيعها فجأة لحظة اندلاع الصراع.

المفارقة الأمريكية والأمن السيادي

في حين تبدو الخطوات الأسترالية حذرة، نجد أن الولايات المتحدة تضخ استثمارات ضخمة في الشمال من خلال مبادرات “تعزيز وضع القوة”. واشنطن حسمت أمرها واعتبرت شمال أستراليا حجر الزاوية لوجودها في المنطقة، وهو ما يخلق نوعاً من “عدم التماثل”؛ حيث تصبح القواعد الأسترالية مركزاً للعمليات الأمريكية بينما تظل القدرات الأسترالية السيادية في تلك المنطقة غير مكتملة. المرونة الوطنية تقتضي أن تكون أستراليا هي “المحرك” لهذه المنظومة، لا أن تكون مجرد “مضيف” لها.

أعمدة “المحرك الشمالي” الأربعة

لتحويل الشمال إلى حصن حقيقي، يقترح التقرير إطاراً يعتمد على أربعة وظائف حيوية:

  1. القدرة على الحشد والانتشار: بناء مطارات ومناطق إنزال محصنة تسمح بنشر القوات وتأمين استقرارها في مناطق النزاع.

  2. الدعم والإصلاح: تحويل داروين ومراكز الشمال إلى محطات لوجستية قادرة على إصلاح الأضرار وتخزين الوقود والذخائر، بدلاً من الاعتماد على خطوط إمداد طويلة وضعيفة تمتد من الجنوب.

  3. الاختبار والابتكار: استغلال المساحات الشاسعة لتجربة التقنيات الحديثة، مثل الأنظمة ذاتية القيادة وأسلحة الضربات طويلة المدى.

  4. الربط والتصدير: إنشاء ممرات لوجستية تربط الصناعات في أديلايد وبريسبان بالعمليات الأمامية في الشمال.

سد الثغرات: الطريق إلى الأمام

لا يمكن تحقيق هذا التحول بالتدريج الممل، بل يتطلب تصميماً شاملاً للنظام. نحن بحاجة إلى:

  • خارطة طريق واضحة: نشر مفهوم صريح لعمليات الدعم اللوجستي في المسرح الشمالي.

  • تعزيز البنية التحتية: توسيع مخازن الوقود والذخيرة وتطوير مجمع داروين للصيانة البحرية.

  • دعم الصناعة المحلية: إعطاء إشارات واضحة للشركات في الشمال بأن هناك طلباً دفاعياً طويل الأمد يشجعها على الاستثمار.

  • حل أزمات القوى العاملة: لا يمكن بناء قاعدة عسكرية قوية بدون توفير السكن والرعاية الصحية للجنود والموظفين وعائلاتهم.

الخلاصة: إن شمال أستراليا هو الذي سيحدد نجاح أو فشل استراتيجيتنا الدفاعية الوطنية. إن بناء “المحرك الشمالي” الآن هو الضمان الوحيد لكي لا تتحول جغرافيتنا من أكبر ميزة استراتيجية إلى نقطة ضعف قاتلة.