في قلب ولاية فيكتوريا الأسترالية، تتشكل تجربة فريدة تجمع بين حماية البيئة وتحقيق عائد اقتصادي مستدام. في مزرعة “تيفرتون”، لم يعد الحفاظ على الحيوانات المهددة بالانقراض مجرد فكرة نظرية، بل تحول إلى واقع ملموس بفضل نظام متكامل يعتمد على عزل الحيوانات المفترسة وإعادة التوازن الطبيعي للنظام البيئي.
يعمل عالم البيئة داميان جونز بشكل يومي على مراقبة سياج طويل يمتد لعدة كيلومترات، يحيط بالمزرعة ويمنع دخول الحيوانات المفترسة مثل القطط البرية والثعالب. هذه الحيوانات تُعد من أخطر التهديدات للحياة البرية في أستراليا، حيث تسببت عبر العقود في انقراض العديد من الأنواع. داخل هذا السياج، تعيش حيوانات نادرة مثل “البانديكوت” و”الكوال الشرقي” في بيئة آمنة، حيث تتكاثر وتتحرك بحرية.
المثير في التجربة أن المزرعة لا تقتصر على الجانب البيئي فقط، بل تُدار أيضًا كمشروع تجاري يعتمد على تربية الأغنام. ورغم أن الإنتاج ليس الأعلى من حيث الكمية، إلا أنه يحقق أرباحًا جيدة، ما يثبت إمكانية التوازن بين الربح والحفاظ على الطبيعة. هذه الفكرة حظيت بإشادة واسعة من خبراء البيئة، الذين يرون فيها نموذجًا يمكن تكراره.
المشروع تقوده مؤسسة “أودوناتا” البيئية، التي بدأت جهودها قبل سنوات عبر إنشاء محميات مشابهة، ثم نقلت الحيوانات الناجحة في التكاثر إلى مزرعة تيفرتون. النتائج كانت لافتة، حيث أظهرت الحيوانات قدرة كبيرة على التكيف حتى في الظروف المناخية القاسية، مثل فترات الجفاف الشديد.
ومن اللافت أن وجود هذه الحيوانات لم يفد البيئة فقط، بل ساهم أيضًا في تحسين جودة التربة. فحيوانات مثل البانديكوت تقوم بحفر الأرض بشكل مستمر، ما يساعد على تهوية التربة وزيادة امتصاص المياه ونشر البذور الطبيعية. هذا انعكس بدوره على جودة المراعي، وبالتالي على جودة الصوف المنتج، الذي أصبح أكثر قوة ومتانة، ما رفع قيمته في الأسواق.
كما ساهمت الحماية من الحيوانات المفترسة في زيادة معدلات بقاء الحملان، وهو عامل اقتصادي مهم للمزرعة. إضافة إلى ذلك، تم تخصيص أجزاء من الأرض لحماية الطيور المحلية، التي بدأت تعود مجددًا إلى المنطقة بعد سنوات من الغياب.
ورغم النجاح، لا تزال هناك تحديات، أبرزها تكلفة إنشاء الأسوار وتأمين مساحات واسعة مناسبة لهذا النموذج، إضافة إلى الحاجة لدعم حكومي أكبر. ومع ذلك، يرى القائمون على المشروع أن المستقبل يحمل فرصًا كبيرة لتوسيع هذه التجربة.
في النهاية، تمثل مزرعة تيفرتون نموذجًا ملهمًا لما يمكن أن يحدث عندما تتكامل الزراعة مع حماية البيئة. إنها ليست مجرد مزرعة، بل رؤية لمستقبل يمكن فيه للحياة البرية أن تستعيد مكانها الطبيعي، وربما يومًا ما دون الحاجة إلى أسوار.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

