تحوّل في المزاج الشيعي حول وحدة الساحات وكلام اللقيس يفجر غضباً
في الوقت الذي يرزح فيه لبنان تحت وطأة آلة الدمار الإسرائيلية، وتعيش قراه ومدنه في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية أهوال حرب استنزاف شاملة، خرجت إلى العلن ملامح تصدع عميق ومؤشرات انقسام حاد داخل البيئة الحاضنة نفسها.
ولم تعد جبهة الرفض لسياسات “حزب الله” مقتصرة على خصومه السياسيين التقليديين، بل تمددت لتشمل الشريك الأساسي في الثنائي، ممثلاً في جمهور حركة أمل، وذلك على خلفية إصرار بعض مسؤولي الحزب على التمسك بأدبيات سياسية يراها الشارع اللبناني منفصلة تماماً عن واقع الدم والتهجير.
الهروب إلى الأمام
فقد فجّر عضو المجلس السياسي لـ”حزب الله”، بلال اللقيس، موجة عارمة من ردود الفعل الغاضبة بعد تدوينة نشرها عبر منصة “أكس” (تويتر سابقاً)، اعتبر فيها أن كل ما يشاع ويُناقش حول هدن على الجبهة اللبنانية ليس سوى “مناورة إسرائيلية أميركية مكشوفة” تهدف بالدرجة الأولى إلى فصل الجبهات وتفريق قوى المقاومة.
ومضى اللقيس في طرحه الاستراتيجي محذراً من مخططات أوسع تستهدف الجمهورية الإسلامية في إيران، لينتهي إلى خلاصة تدعو إلى “تمتين الساحات ووحدتها بل وزيادتها” كوسيلة وحيدة للمواجهة.
هذا الطرح قوبل بهجوم عنيف وغير مسبوق من قِبل ناشطين وكوادر ينتمون إلى جمهور حركة أمل. ولم يكتفِ المنتقدون بالاعتراض السياسي، بل تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة للسجال الحاد الذي وصل في كثير من الأحيان إلى حد الشتائم والاتهامات المباشرة.وتركزت الانتقادات على انفصام هذا الخطاب عن الواقع المعيش؛ إذ كيف يمكن لمن يرى بلداته تُباد وأهله يُهجرون أن يتحدث عن “زيادة الساحات” وربط مصير لبنان بجبهات إقليمية لم تقدم له سوى الوعود؟
طرحت هذه السجالات خلفها سؤالاً جوهرياً بات يتردد بجرأة في أروقة البيئة الحاضنة: أين أصبحت “وحدة الساحات” المزعومة؟
الواقع الميداني والسياسي الراهن يقدم إجابات فاضحة؛ فبينما كان لبنان يُدفع دفعاً نحو منزلق الحرب تحت شعارات “الإسناد” والجهوزية المشتركة، بدت طهران -التي يُطلب من اللبنانيين حمايتها وتمتين الساحات لأجلها- في موقع العاجز والمنازع بيئياً وسياسياً واقتصادياً. تشير المستجدات الاستراتيجية إلى أن إيران أولا: تخلّت عملياً عن ساحاتها الحليفة واكتفت بإدارتها عن بُعد كأوراق تفاوضية لتحسين شروط حوارها المكتوم مع الإدارة الأميركية في واشنطن وبكين، وانكفأت لحماية مصالحها الذاتية من خلال وتجنب الصدام المباشر الشامل الذي قد يهدد أمن نظامها الداخلي، تاركة الفروع في المنطقة تواجه مصيرها منفردة.
كما أنها تركت لبنان وحيداً للقتل والتدمير حيث حيث يواجه البلد بمفرده تفوقاً عسكرياً وتوسعاً ميدانياً إسرائيلياً مفرطاً، دون أي إسناد حقيقي يُذكر من بقية أطراف تلك “المنظومة المفترضة”.
المزاج الشعبي
إن الغضب العارم لجمهور حركة أمل والعديد من العائلات الجنوبية ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو تعبير عن إدراك متأخر ومؤلم بأن لبنان تم زجه في أتون محرقة إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل. فالخطاب الذي يروّج له مسؤولو الحزب، والذي يضع حماية إيران والدفاع عن شروطها الإقليمية في مرتبة تعلو فوق حماية الأرواح والممتلكات اللبنانية، أصبح يمثل استفزازاً مباشراً للمواطن الذي بات بلا سقف وبلا مأوى.
وتعكس هذه المستجدات تبايناً جذرياً لم يعد كتمانه ممكناً؛ فحركة أمل وجماهيرها، التي تميل تاريخياً إلى فكرة الدولة والحدود اللبنانية وحماية السلم الأهلي، تجد نفسها اليوم أمام خيارين: إما الصمت على مغامرات تقود إلى محو قراهم من الخريطة، أو رفع الصوت بوجه حليف يصر على القتال حتى آخر حجر في الجنوب.
الحقيقة المرة
أثبتت التطورات الأخيرة أن نظرية “وحدة الساحات” قد سقطت عملياً في اختبار الدم، وتحولت في وعي الشارع اللبناني من استراتيجية ردع إلى قيد خانق يستغله الخصوم والأعداء لتبرير تدمير لبنان.إن الإصرار على تسويق الهدن كـ”مؤامرات” والدعوة لتوسيع الصراع، في ظل انكفاء الراعي الإيراني وتخليه عن حلفائه، يعري هذا الخطاب تماماً ويظهره كأداة للتضحية بلبنان على مذبح المصالح الخارجية، وهو ما لم يعد مقبولاً في بيئة سئمت دفع فواتير حروب الآخرين على أرضها.

