برحيل الكاتبة والروائية العراقية لطفية الدليمي في عمّان في 8 مارس/ آذار 2026، بعد صراعٍ مع المرض، يغيب صوتٌ أدبي ظلّ أكثر من نصف قرن منشغلاً بأسئلة الإنسان والحرية والمصير في عالمٍ مضطرب. غير أنّ ما يجعل هذا الرحيل أكثر حضوراً في الذاكرة الثقافية هو، أن الكاتبة تركت، قبل أيام من غيابها، مقالاً يبدو اليوم كأنه خلاصة تجربة طويلة: «نعمة العيش بقلب لا يعرف الضغينة».
لم تكن الدليمي مجرّد روائية أو قاصة؛ كانت مثقفة موسوعية، اشتغلت على الرواية والقصة والترجمة والدراسة الفكرية، وأسهمت في تحرير مجلات ثقافية عراقية، وأسست مع مثقفات عراقيات منتدى المرأة الثقافي في بغداد، كما أسست لاحقاً مركز «شبعاد» لدراسات حرية المرأة. وقد تركت عشرات الكتب في الإبداع والترجمة، من بينها روايات «من يرث الفردوس» و«بذور النار» و«ضحكة اليورانيوم» و«حديقة حياة» و«سيدات زحل»، إلى جانب مجموعات قصصية مثل «ممر إلى أحزان الرجال» و«موسيقى صوفية»، فضلاً عن دراسات وترجمات عديدة أسهمت في إثراء الثقافة العربية.
غير أنّ السيرة الأدبية لهذه الكاتبة لا يمكن فصلها عن تجربة قاسية عاشتها في السنوات الأخيرة من حياتها: تجربة المنفى. فبعد تصاعد العنف في العراق بعد عام 2003، وجدت نفسها مضطرة إلى مغادرة بلدها عام 2006. وقد وصفت تلك التجربة في حوارها الشهير للصحافي كمال الضيف في سويس إنفو، في برن يوم 18 أبريل/نيسان 2008 قائلة: «المنفى كان تجربة اقتلاع كاملة، لا تترك للإنسان أي ثبات، فلا يستطيع أن يستقر في المكان الجديد، ولا يستطيع أن يعود إلى وطنه، ويعيش كما قال المتنبي: على قلق كأن الريح تحتي، توجهني شمالاً أو جنوباً».
لم يكن المنفى بالنسبة إليها مجرد انتقال جغرافي، بل كان اقتلاعا روحيا وثقافيا. فقد تحدثت عن صعوبة البدء من جديد في عمر متقدم، وعن شعور العزلة داخل بيئة ثقافية ولغوية مختلفة، إضافة إلى التهديدات التي طالت مثقفين عراقيين في تلك المرحلة المضطربة. وقالت:
«في المنفى شعرت بأنني مضطرة لإعادة ترتيب حياتي كلها من جديد، وكأن كل جذور الأمان قد اقتلعت».
ومع ذلك، لم يتحول هذا الألم إلى مرارة في كتاباتها. بل على العكس، كان كثير من نصوصها محاولة للبحث عن معنى إنساني وسط الفوضى، ووصفت مؤلفاتها بأنها: «ردّ إبداعي على الاقتلاع، وسعي للحفاظ على إنسانيتي وسط عالم مشتعل». ومن هنا يبدو مقالها الأخير عن سلام الروح، أقرب إلى خلاصة هذه التجربة الطويلة. فهي لا تتحدث عن فكرة أخلاقية مجردة، بل عن حكمة خرجت من قلب حياة عرفت الحروب والمنفى والخيبات. وتقول فيه: «الضغينة ليست غضباً لحظياً، بل غضبٌ استقر في القلب، وليست جرحاً عابراً، هي ألمٌ يرفض أن يلتئم. وما إن تستقر في النفس حتى تتحول الذاكرة إلى آلة تستعيد الأذى بلا نهاية، فينهك الإنسان نفسه قبل أن يصيب غيره». وبهذه البساطة العميقة تصل الدليمي إلى الفكرة التي تبدو اليوم كأنها وصيتها الأخيرة:
«الإنسان الذي يستطيع أن ينام بقلبٍ هادئ، بلا خصومات مستوطنة في روحه، يملك ثروة حقيقية لا تقل عن أي نجاح أو سلطة. العالم مليء بالصخب والاستفزاز، لكن الإنسان يستطيع أن ينجو بنفسه إذا رفض أن يحوّل قلبه إلى ساحة دائمة للمعارك».
رحلت لطفية الدليمي، وبقيت كلماتها شاهدة على تجربة أدبية وإنسانية طويلة. وفي زمن يزداد قسوة، تبدو رسالتها الأخيرة بسيطة وعميقة في آنٍ معاً: «لسنا بحاجة إلى أن نكسب كل المعارك، بل أن نحمي أرواحنا من الضغينة. وليس الامتياز الحقيقي أن نعيش بلا ألم، بل أن نحافظ على سلام الروح وسكينة القلب».