لم يكن شعار “هل تريد أن تلمس الكنغر؟” مجرد عبارة دعائية عابرة، بل أصبح رمزًا لنجاح واحد من أشهر أنواع النبيذ الأسترالي في العالم. لكن اليوم، تبدو الصورة مختلفة تمامًا، إذ تواجه شركة كاسيلا واينز المنتجة لنبيذ “يلو تايل” تراجعًا حادًا في أرباحها، في مؤشر واضح على أزمة أوسع تضرب قطاع النبيذ.
خلال العام المالي الأخير، سجلت الشركة خسارة بلغت 5.5 مليون دولار، بعد أن كانت قد حققت أرباحًا وصلت إلى 18.6 مليون دولار في 2024، و26.5 مليون دولار في 2023. هذا التراجع الحاد لا يعكس مشكلة داخلية فقط، بل يعكس ضغوطًا كبيرة على مستوى الصناعة بأكملها.
مدير الشركة جون كاسيلا أشار إلى أن ارتفاع التكاليف كان العامل الأبرز، بدءًا من المواد الخام والطاقة، وصولًا إلى تكاليف الشحن وأسعار الفائدة. كما لعبت تقلبات أسعار العملات والرسوم الجمركية الأمريكية دورًا إضافيًا في تقليص الأرباح، خاصة مع فرض تعريفة بنسبة 10% على واردات النبيذ.
ورغم أن السوق الأمريكية كانت تاريخيًا أهم أسواق “يلو تايل”، إلا أنها أصبحت أكثر صعوبة مؤخرًا بسبب تراجع استهلاك النبيذ المستورد. ومع ذلك، حاولت الشركة تعويض هذا الانخفاض من خلال نمو المبيعات في أسواق أخرى مثل أوروبا وآسيا وكندا وأستراليا.
لكن التحديات لم تتوقف عند هذا الحد، إذ ارتفع ديْن الشركة بنحو 170 مليون دولار، كما واجهت صعوبات في الالتزام ببعض شروط القروض، قبل أن تحصل على إعفاء مؤقت من البنك. ورغم ذلك، تؤكد الإدارة أن الوضع المالي ما زال مستقرًا، وأن الشركة قادرة على تجاوز المرحلة الحالية.
تراجع حاد في مزارع العنب
الأزمة لا تقتصر على الشركات الكبرى، بل تمتد إلى المزارعين، خاصة في منطقة ريفيرينا بجنوب نيو ساوث ويلز، حيث يتم إنتاج نسبة كبيرة من العنب المستخدم في صناعة النبيذ.
خلال السنوات الأربع الماضية، خرج نحو 75 مزارعًا من أصل 275 من هذا النشاط، بينما قلّص آخرون مساحات زراعتهم. كما انخفضت المساحة المزروعة من 22 ألف هكتار إلى حوالي 16 ألفًا، مع استمرار عمليات اقتلاع الكروم بسبب الخسائر المستمرة.
المزارع برونو ألتين، الذي لم يحقق أي أرباح هذا العام، قرر إزالة جزء من مزرعته. ويقول إنه لم يعد يرى مستقبلًا في زراعة العنب لصناعة النبيذ، خاصة في ظل الأسعار التي لا تغطي تكاليف الإنتاج. ورغم ارتباطه العاطفي بالكروم التي زرعها منذ شبابه، إلا أنه يرى في القرار نوعًا من الراحة والقدرة على البدء من جديد.
فائض الإنتاج يضغط على السوق
تعاني الصناعة أيضًا من فائض ضخم يُقدّر بنحو ملياري لتر من النبيذ، ما يدفع الشركات إلى إعادة هيكلة أعمالها وتقليل التكاليف. بعض المنتجين يفكرون في تقليص حجم نشاطهم ليواكبوا الواقع الجديد للسوق.
في هذا السياق، طالبت الجهات الممثلة للقطاع الحكومة الأسترالية بتقديم دعم يصل إلى 140 مليون دولار خلال ثلاث سنوات، بهدف معالجة فائض الإنتاج وتحفيز الطلب ومساعدة المزارعين على التحول إلى أنشطة أخرى.
المقترحات تشمل تقديم منح وقروض ميسرة، إضافة إلى حلول للتخلص من النبيذ غير القابل للبيع. لكن بعض المزارعين، مثل ألتين، يفضلون حوافز ضريبية بدلًا من الدعم المباشر، مثل إعفاءات مؤقتة لمن يقرر التحول إلى زراعات أخرى كزراعة اللوز.
مستقبل غير واضح
بين ارتفاع التكاليف، وتراجع الطلب، وفائض الإنتاج، تقف صناعة النبيذ الأسترالية عند مفترق طرق. ورغم محاولات التكيف، إلا أن المرحلة المقبلة تبدو مليئة بالتحديات، ليس فقط للشركات الكبرى، بل أيضًا للمزارعين الذين يشكلون أساس هذه الصناعة.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

