على مدار العقدين الماضيين، تغيّر شكل التعاملات المالية في أستراليا بشكل كبير. فقبل الأزمة المالية العالمية وانتشار الخدمات المصرفية عبر الإنترنت ووسائل الدفع اللاتلامسية، كان الدفع النقدي هو الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها الجميع تقريباً.

في عام 2007، كانت أكثر من ثلثي المعاملات في البلاد تتم باستخدام الكاش. لكن هذا الرقم تراجع بشكل حاد مع مرور الوقت، ليصل في عام 2025 إلى نحو 15% فقط. ورغم هذا الانخفاض الكبير، تشير بيانات حديثة صادرة عن Reserve Bank of Australia إلى أن استخدام النقد شهد ارتفاعاً طفيفاً للمرة الأولى منذ سنوات طويلة.

تراجع ثم انتعاش محدود

بلغ استخدام الكاش أدنى مستوياته في عام 2022، حيث انخفض بشكل ملحوظ مقارنة بعام 2019. لكن بحلول 2025، ظهر تحسن بسيط تزامن مع زيادة المعاملات التي تتم وجهاً لوجه، والتي ارتفعت من 16% إلى 19%.

ولا يزال الدفع النقدي هو الخيار المفضل للمبالغ الصغيرة، خاصة المعاملات التي تقل عن 10 دولارات. ومع ذلك، فإن حجم هذه العمليات اليوم لا يُقارن بما كان عليه قبل 20 عاماً، عندما كان 95% من هذه المدفوعات يتم نقداً.

أين يُنفق الأستراليون أموالهم النقدية؟

أظهرت الدراسة أن استخدام الكاش لم يعد محصوراً في مجالات محددة، بل استقر أو ارتفع في مختلف فئات الإنفاق. اللافت أن الأنشطة الترفيهية تصدرت قائمة الاستخدام، متقدمة على الطعام والتجزئة والنقل.

ويرجّح الخبراء أن تراجع استخدام النقد في قطاع النقل يعود إلى انتشار وسائل الدفع الإلكتروني، مثل بطاقات “tap-and-go”، إضافة إلى خدمات النقل التشاركي والتذاكر الرقمية في المواصلات العامة.

سياسات حكومية لدعم الكاش

قبل الانتخابات الأخيرة، أعلنت الحكومة نيتها إلزام الشركات بقبول الدفع النقدي في السلع الأساسية مثل الغذاء والوقود. وبالفعل، دخل هذا القرار حيز التنفيذ مطلع العام، علماً أن نحو 94% من الشركات كانت تقبل الكاش حتى قبل تطبيق السياسة.

في المقابل، يواجه نظام توزيع النقد تحديات، خاصة بعد أن أصبحت شركة واحدة فقط، وهي Armaguard، مسؤولة عن توزيع الأموال في البلاد بعد استحواذها على منافستها في 2023.

وقد سمحت Australian Competition and Consumer Commission للبنوك بالتعاون لإيجاد حلول تضمن استمرار تدفق النقد في حال حدوث أي خلل، مع مهلة حتى نهاية 2026.

من يستخدم الكاش اليوم؟

تشير البيانات إلى أن نحو نصف الأستراليين يستخدمون الكاش مرة واحدة على الأقل أسبوعياً. كما تم تصنيف حوالي 1.5 مليون شخص كمستخدمين كثيفين للنقد، أي أنهم يعتمدون عليه في 80% من تعاملاتهم.

ومن الملاحظ أن كبار السن وذوي الدخل المحدود هم الأكثر اعتماداً على الكاش. فعلى سبيل المثال، حوالي 10% من الأشخاص فوق 65 عاماً يستخدمون النقد في جميع معاملاتهم.

كما يظل الكاش وسيلة حيوية للفئات الأكثر ضعفاً، خاصة في المناطق النائية أو بين بعض مجتمعات السكان الأصليين، حيث قد تكون خدمات الدفع الرقمي محدودة.

هل الأستراليون مستعدون للتخلي عن الكاش؟

رغم انتشار الدفع الإلكتروني، لا يزال للكاش مكانة مهمة. فقد أشار نحو ثلث المشاركين في الاستطلاع إلى أنهم سيواجهون صعوبات حقيقية إذا لم يتمكنوا من سحب النقود.

كما يستخدم حوالي 20% من الناس الكاش لتجنب الرسوم الإضافية على المدفوعات الإلكترونية، رغم إعلان البنك المركزي عن إلغاء هذه الرسوم بدءاً من أكتوبر المقبل.

ومن اللافت أيضاً أن نحو 40% من الأستراليين يحتفظون بالنقد في محافظهم للطوارئ، بينما يمتلك ثلاثة أرباعهم مبالغ نقدية بمتوسط يصل إلى 65 دولاراً.

بين الماضي والمستقبل

رغم التراجع الكبير في استخدام الكاش خلال السنوات الماضية، يبدو أن هناك نوعاً من الاستقرار بدأ يظهر في السنوات الأخيرة. فالنقد لم يعد الملك كما كان، لكنه أيضاً لم يختفِ.

وفي ظل الأعطال التقنية المحتملة أو انقطاع أنظمة الدفع الإلكتروني، يبقى الكاش خياراً آمناً وضرورياً للكثيرين، ما يجعله جزءاً لا يمكن تجاهله في مستقبل النظام المالي في أستراليا.