يبدو أن حالة من التوتر وعدم الرضا تسود بين الأستراليين في الفترة الأخيرة، ولم يعد الأمر مجرد انطباع عام، بل تؤكده بيانات حديثة. فقد أظهرت دراسة صادرة عن Australian National University أن مستوى الرضا عن الحياة في أستراليا انخفض إلى مستويات أدنى مما كان عليه حتى خلال فترات الإغلاق في جائحة COVID-19، وهو مؤشر لافت يعكس حجم الضغوط الحالية.

الدراسة، التي شملت آلاف المشاركين، جاءت في وقت يشهد اضطرابات عالمية ومحلية، من بينها التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إضافة إلى تداعيات اقتصادية مثل ارتفاع أسعار الوقود بعد إغلاق مضيق هرمز. كل هذه العوامل ساهمت في خلق بيئة غير مستقرة انعكست مباشرة على المزاج العام.

تراجع التفاؤل التقليدي

لطالما عُرفت أستراليا بأنها “الدولة المحظوظة”، وهو تعبير اشتهر منذ صدور كتاب The Lucky Country، وكان يعكس حالة من التفاؤل والبساطة في النظرة إلى المستقبل. لكن هذا الشعور يبدو أنه بدأ يتلاشى.

الباحث نيكولاس بيدل يشير إلى أن الأستراليين كانوا يتمتعون بنوع من الثقة الهادئة في المستقبل، لكن هذه الروح تراجعت بشكل ملحوظ. وعلى عكس فترة الجائحة، حيث كان التراجع مؤقتاً، فإن الانخفاض الحالي في الرضا يأتي من مستوى منخفض أصلاً، ما يجعل التعافي أكثر صعوبة.

ضغوط مالية وقلق وظيفي

الصورة تصبح أكثر وضوحاً عند النظر إلى الوضع الاقتصادي. نسبة كبيرة من الأستراليين ترى أن الحياة كانت أفضل قبل 50 عاماً، ويتوقع كثيرون أن تكون أسوأ في المستقبل. كما أن نحو ثلث السكان يعانون من صعوبة في تغطية نفقاتهم، وهي نسبة قياسية خلال السنوات الأخيرة.

الأمر لا يتوقف عند ذلك، بل يمتد إلى القلق من فقدان الوظائف. رغم أن معدل البطالة لا يزال منخفضاً نسبياً، إلا أن نسبة القلق من فقدان العمل وصلت إلى مستويات مماثلة لما كانت عليه خلال الجائحة، وهو ما يعكس شعوراً بعدم الأمان يتجاوز الأرقام الرسمية.

تحديات أمام الحكومة

في ظل هذه الأوضاع، تواجه الحكومة الأسترالية ضغوطاً متزايدة لإدارة الأزمة الاقتصادية. وزير الخزانة Jim Chalmers يجد نفسه أمام معادلة معقدة، حيث تهدد التطورات العالمية أي خطط مالية تم إعدادها مسبقاً.

ومع استمرار أزمة تكلفة المعيشة، بدأت الحكومة تدرس خيارات صعبة، مثل إعادة النظر في بعض بنود الإنفاق العام، بما في ذلك برامج رئيسية.

برنامج الإعاقة تحت المجهر

أحد أبرز هذه البرامج هو National Disability Insurance Scheme، الذي كان يُعد من أهم إنجازات حزب العمال. لكن مع ارتفاع تكلفته بشكل كبير، بدأت النظرة إليه تتغير.

تشير استطلاعات حديثة إلى أن نسبة كبيرة من الأستراليين لم تعد ترى أن البرنامج يقدم قيمة مناسبة مقابل ما يُنفق عليه، مقارنة ببرامج أخرى مثل نظام الرعاية الصحية. هذا التغير في الرأي العام يمنح الحكومة مبرراً لإعادة تقييمه.

إصلاحات صعبة ولكن ضرورية

الحكومة تدرك أن استمرار البرنامج دون تعديل قد يؤدي إلى فقدان الدعم الشعبي له. لذلك، هناك توجه لإجراء إصلاحات تهدف إلى تقليل التكاليف وضمان وصول الدعم إلى من هم في أمسّ الحاجة إليه.

في هذا السياق، شدد السياسي Bill Shorten على ضرورة تحميل المسؤولية للمخالفات والاحتيال داخل النظام، بدلاً من توجيه اللوم للمستفيدين أنفسهم.

مستقبل غامض

مع استمرار التوترات العالمية وتأثيراتها الاقتصادية، يبدو أن حالة القلق ستبقى حاضرة في المجتمع الأسترالي لفترة قادمة. وبينما تحاول الحكومة تحقيق توازن صعب بين الإصلاح والحماية الاجتماعية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع أستراليا استعادة شعورها بأنها “الدولة المحظوظة”، أم أن هذا الوصف أصبح جزءاً من الماضي؟

في ظل هذه الظروف، لا يبدو أن الطريق إلى استعادة الثقة سيكون سهلاً، خاصة مع تزايد الضغوط على الأفراد والحكومة على حد سواء.