في كل عام، ومع حلول الإجازات المدرسية، يجد كثير من أولياء الأمور في أستراليا أنفسهم أمام نفس التحدي: كيف يؤمّنون رعاية لأطفالهم قبل وبعد المدرسة، وخلال العطلات؟ هذه الخدمات، المعروفة برعاية ما قبل وما بعد الدوام المدرسي، أصبحت جزءاً أساسياً من حياة الأسر العاملة، لكنها في الوقت نفسه مصدر ضغط مالي ونفسي متزايد.
في قلب هذا القطاع تقف شركات كبرى تسيطر على جزء كبير من السوق، مثل Camp Australia وJunior Adventures Group، واللتين تدعمهما شركات استثمارية ضخمة. هذا النموذج التجاري يجعل القطاع جذاباً للمستثمرين، حيث لا يتطلب امتلاك عقارات، بل يعتمد على استخدام مرافق المدارس مقابل نسبة من الإيرادات.
لكن المشكلة أن هذا النموذج يخلق نوعاً من الاحتكار داخل كل مدرسة، حيث لا يملك الأهل خيارات حقيقية. فإما استخدام الخدمة المتاحة أو البحث عن بدائل صعبة مثل الاعتماد على الأقارب. ومع أن الحكومة تقدم دعماً مالياً، إلا أن التكاليف تبقى مرتفعة بالنسبة للكثير من العائلات.
نظام مكلف ومربك
مع مرور الوقت، تحوّل نظام رعاية الأطفال والتعليم المبكر في أستراليا إلى منظومة معقدة ومكلفة. فمعظم خدمات رعاية الأطفال دون سن الخامسة تُدار من قبل القطاع الخاص، ونسبة كبيرة منها تهدف إلى الربح.
تعتمد الحكومة على نظام دعم مالي يشبه “القسائم”، حيث يحصل الأهل على إعانة محددة ثم يتركون لاختيار الخدمة المناسبة. لكن هذا يفتح الباب أمام تفاوت كبير في الأسعار، حيث تحدد المراكز رسومها وفقاً للسوق، مما يترك فجوة مالية يتحملها الأهل.
الوضع يصبح أكثر صعوبة للأسر ذات الدخل المتوسط أو المرتفع، إذ تقل نسبة الدعم، وقد يضطرون لدفع التكلفة كاملة. وفي ظل ارتفاع أسعار العقارات، يجد الكثير من الأزواج أنفسهم مضطرين للعمل لساعات طويلة لتغطية القروض، ما يزيد اعتمادهم على خدمات رعاية الأطفال.
مفارقة التعليم المجاني
المفارقة تظهر بوضوح عندما يبلغ الطفل سن الخامسة، حيث يصبح التعليم مجانياً من خلال المدارس الحكومية. لكن هذا “المجانية” تنتهي عند الساعة الثالثة عصراً، لتعود الحاجة مرة أخرى إلى خدمات مدفوعة لرعاية الأطفال حتى انتهاء دوام الأهل.
فجوة بين الأجيال
تتداخل أزمة رعاية الأطفال مع أزمة الإسكان، لتشكلا معاً أحد أبرز التحديات المرتبطة بالعدالة بين الأجيال في أستراليا. فبينما استفاد الجيل الأكبر من أسعار عقارات أقل، يواجه الجيل الحالي تكاليف معيشة أعلى، تشمل السكن ورعاية الأطفال في آن واحد.
هذا الواقع يدفع بعض العائلات للاعتماد على ما يُعرف بـ“بنك الأم والأب”، حيث يقدم الأجداد دعماً مالياً أو عملياً. لكنه حل غير متاح للجميع، كما أنه لا يعالج جذور المشكلة.
هل الحل في تدخل الدولة؟
تُطرح أحياناً فكرة جعل رعاية الأطفال خدمة عامة مجانية، مثل التعليم المدرسي. ورغم أن هذا الطرح يلقى دعماً من البعض، إلا أنه يواجه رفضاً واسعاً، خاصة من أنصار السوق الحرة.
ومع ذلك، تشير البيانات الصادرة عن Australian Competition and Consumer Commission إلى تدخلات سابقة للحد من الاحتكار، بينما تُظهر تقارير Australian Children’s Education and Care Quality Authority أن المراكز الحكومية غالباً ما تقدم جودة أعلى وتكلفة أقل.
نموذج بديل من كندا
بدلاً من تغيير جذري، قد يكون الحل في تعديل طريقة الدعم. ففي Canada، تبنّت الحكومة نموذجاً مختلفاً يقوم على تمويل مراكز رعاية الأطفال مباشرة، بدلاً من إعطاء الأموال للأهالي.
هذا النظام، المعروف بخطة “10 دولارات يومياً”، يفرض على المراكز خفض الرسوم مقابل حصولها على التمويل الحكومي. وقد أدى ذلك إلى تقليل التكاليف بشكل كبير، مع تحسين الرقابة على الجودة.
الميزة الأهم في هذا النموذج أنه لا يعتمد على مستوى دخل الأسرة، بل يتيح الأسعار المخفّضة للجميع، كما يمنح الحكومة قدرة أكبر على ضبط الأسعار ومستوى الخدمة.
ما بين نظام مكلف يعتمد على السوق، ونماذج دولية أكثر تدخلاً، يبدو أن أستراليا أمام خيار صعب. فالإبقاء على الوضع الحالي يعني استمرار الضغط على الأسر، بينما يتطلب الإصلاح شجاعة سياسية وإعادة التفكير في دور الدولة.
وفي النهاية، يبقى السؤال: هل يمكن تحقيق توازن حقيقي بين جودة الرعاية وتكلفتها، دون أن يتحمل الأهل العبء الأكبر؟

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

