تشهد أستراليا في الفترة الحالية تصاعدًا ملحوظًا في حالات الإصابة بمرض الدفتيريا، وهو ما أثار قلقًا واسعًا لدى السلطات الصحية، خاصة بعد تسجيل وفاة في الإقليم الشمالي يُعتقد أن سببها المباشر هو المرض. وبينما تحاول الجهات الطبية احتواء انتشار العدوى، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي موجة من المعلومات المضللة والاتهامات غير الدقيقة، ما زاد من حالة الارتباك بين الناس.

ويُعد الدفتيريا من الأمراض البكتيرية شديدة العدوى، وكان في الماضي أحد أخطر أسباب وفاة الأطفال قبل أن تنجح برامج التطعيم الواسعة، التي بدأت منذ ثلاثينيات القرن الماضي، في تقليل الإصابات بشكل كبير داخل أستراليا ودول كثيرة حول العالم.

ومع عودة المرض للظهور في بعض المناطق، ظهرت ادعاءات تلقي اللوم على المهاجرين باعتبارهم السبب وراء انتشار العدوى. إلا أن خبراء الصحة العامة رفضوا هذه المزاعم بشكل واضح. وأوضح البروفيسور أدريان إستيرمان، المتخصص في علم الأوبئة والإحصاء الحيوي بجامعة أديلايد، أن المرض موجود في أستراليا منذ سنوات طويلة، وأن بعض الأشخاص قد يحملون البكتيريا دون ظهور أعراض واضحة عليهم.

وأشار إلى أن حالات التفشي الحالية ترتبط غالبًا بانخفاض معدلات التطعيم في بعض المجتمعات النائية، خصوصًا داخل مجتمعات السكان الأصليين، وليس بسبب الهجرة كما يروج البعض. كما أكدت البروفيسورة راينا ماكنتاير من معهد كيربي بجامعة نيو ساوث ويلز أن أغلب الإصابات تتركز في مناطق بعيدة لا تضم أعدادًا كبيرة من المهاجرين، ما يضعف تمامًا تلك المزاعم.

وفي جانب آخر من الجدل، انتشرت ادعاءات تقول إن لقاح الدفتيريا أخطر من المرض نفسه، وهي فكرة وصفها الخبراء بأنها مضللة وخطرة. وأكدت ماكنتاير أن لقاح الدفتيريا من أقدم وأأمن اللقاحات المستخدمة طبيًا، وقد خضع لعقود طويلة من الدراسات والمتابعة، ضمن برامج التطعيم العالمية التي اعتمدتها منظمة الصحة العالمية منذ سنوات طويلة.

ويرى المتخصصون أن أزمة الثقة باللقاحات تفاقمت بعد جائحة كورونا، حيث أدت الحملات المناهضة للتطعيم والمعلومات الخاطئة حول لقاحات “mRNA” إلى تراجع ثقة بعض الناس بجميع أنواع اللقاحات، حتى القديمة والموثوقة منها.

ورغم تحميل البعض للحركات المناهضة للقاحات مسؤولية تفشي المرض، يشير خبراء إلى أن المشكلة أكثر تعقيدًا. فالمناطق النائية تعاني أيضًا من ضعف الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى المراكز الطبية، ما يجعل الحصول على الجرعات المعززة أمرًا أكثر صعوبة للسكان هناك. لكن الخبراء يؤكدون في الوقت نفسه أن انخفاض معدلات التطعيم يبقى العامل الأهم وراء تزايد الإصابات خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد عام 2020.

ويبقى التحدي الأكبر أمام السلطات الصحية اليوم ليس فقط في مكافحة المرض، بل أيضًا في مواجهة المعلومات المضللة التي قد تدفع المزيد من الناس للعزوف عن التطعيم، وهو ما قد يفتح الباب أمام عودة أمراض كانت شبه منسية في أستراليا.