عاشت الشابة الأسترالية إيلا إنجل سنوات طويلة من العزلة القاسية بسبب مرض غامض حرمها من أبسط تفاصيل الحياة اليومية. ففي أواخر سنوات المراهقة وبداية العشرينات، أصبحت غير قادرة على تحمل الضوء أو الأصوات أو حتى اللمس، ما أجبرها على البقاء داخل غرفتها لفترات طويلة دون استقبال أي زوار. ووصل الأمر إلى أنها لم تتمكن من رؤية شقيقها، الذي كان يعيش في الغرفة المجاورة، لمدة أربع سنوات كاملة.

كانت إيلا تعاني من إرهاق دائم وآلام متفرقة ونوبات دوار وإغماء عند الوقوف، لكنها أمضت سنوات تتنقل بين عشرات الأطباء دون الحصول على تشخيص واضح. وخلال تلك الرحلة المرهقة، تعرضت لتشخيصات خاطئة وإجراءات طبية تبين لاحقاً أنها غير ضرورية، قبل أن يتم تشخيصها أخيراً بمتلازمة التهاب الدماغ والنخاع العضلي أو ما يعرف بمتلازمة التعب المزمن (ME/CFS).

هذه الحالة الصحية المعقدة تصيب مئات الآلاف حول العالم، وتتميز بإرهاق شديد لا يتحسن بالراحة، إضافة إلى اضطرابات النوم والذاكرة والدوخة وآلام الجسم. ويعتبر التدهور الحاد بعد أي مجهود بدني أو ذهني من أبرز سماتها، حيث تتفاقم الأعراض بشكل واضح بعد أقل نشاط.

وفي محاولة لفهم المرض بشكل أعمق، شاركت إيلا مع عشرات المرضى في دراسة أسترالية حديثة نُشرت في مجلة علمية متخصصة، اعتمدت على تحليل عينات دم من المصابين ومقارنتها بأشخاص أصحاء. وأظهرت النتائج وجود تغيرات واضحة في الخلايا المناعية وآليات إنتاج الطاقة داخل الجسم لدى المرضى.

الباحثون أوضحوا أن الخلايا المناعية لدى المصابين تبدو أقل قدرة على الاستجابة للعدوى، كما رصدوا اضطرابات مرتبطة بالدورة الدموية ووظائف الخلايا. ويرى العلماء أن هذه النتائج تعزز فكرة أن المرض ليس نفسياً كما كان يُعتقد سابقاً، بل يرتبط بخلل بيولوجي حقيقي يؤثر في أجهزة متعددة داخل الجسم.

كما استخدم الفريق البحثي تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتطوير اختبارات مخبرية قد تساعد مستقبلاً في تشخيص المرض بشكل أسرع وأكثر دقة، وهو ما قد يختصر سنوات طويلة من المعاناة التي يعيشها المرضى قبل الوصول إلى التشخيص الصحيح.

ورغم أن الدراسة لا تزال بحاجة إلى أبحاث أوسع لتأكيد النتائج، فإن الخبراء وصفوها بالخطوة المهمة نحو فهم هذا المرض الغامض، خاصة أن كثيراً من المصابين يواجهون صعوبة في الحصول على اعتراف طبي واضح بحالتهم.

أما إيلا، فرغم تحسن حالتها نسبياً واستعادتها جزءاً من قدرتها على الحركة، فإنها لا تزال تواجه تحديات صحية يومية. لكنها تقول إن مشاركتها في الأبحاث تمنحها أملاً بأن يتمكن العلماء يوماً ما من إيجاد علاج فعال، وربما الوصول إلى شفاء كامل لهذا المرض المنهك.