رغم أن الحكومة الأسترالية تبنّت في عام 2023 ما يُعرف بـ”استراتيجية الردع” لمنع الخصوم من فرض سيطرتهم بالقوة، فإن الاستراتيجية الدفاعية الجديدة لعام 2026 تكشف أن الطريق لا يزال طويلاً، خاصة في المجال البحري.
تُميز الخطة الجديدة بين مفهومين مهمين: حرمان العدو من الحركة في البحر، والسيطرة الفعلية عليه. فالأول قد يقيّد الخصم، لكنه لا يضمن حرية التحرك لأستراليا نفسها. لذلك، يبقى تأمين خطوط الملاحة البحرية — التي تُعد شريان الاقتصاد — هدفاً أساسياً لم يتحقق بشكل واضح حتى الآن.
الاستراتيجية تؤكد أهمية التعاون مع الحلفاء لحماية هذه الخطوط وتعزيز المراقبة البحرية، كما توسّع النظرة لتشمل الصناعة الدفاعية وسلاسل الإمداد. لكن هذه الرؤية تبدو غير مكتملة، إذ ما زالت أقرب إلى خطة عسكرية منها إلى استراتيجية وطنية شاملة تشارك فيها كل مؤسسات الدولة.
ورغم تحديد 11 أولوية دفاعية، كثير منها مرتبط بالبحر، مثل الحرب تحت الماء والقدرات البرمائية، إلا أن التفاصيل حول كيفية حماية طرق التجارة البحرية تظل غير واضحة. كان من الأفضل عرض خطة متكاملة تشمل عدة مستويات بدلاً من ترك الصورة غير مكتملة.
على صعيد الاستثمارات، لا تختلف الأولويات كثيراً عن خطة 2024، مع استمرار التركيز الكبير على القدرات البحرية، التي تستحوذ على نحو 41% من الميزانية. كما يبرز دور الغواصات النووية ضمن تحالف AUKUS، إلى جانب التوسع في استخدام المركبات البحرية غير المأهولة، والتي يُتوقع أن تلعب دوراً في الاستطلاع والهجوم وسد الفجوة بين القدرات الحالية والمستقبلية.
مع ذلك، يبقى الاعتماد الكبير على التكنولوجيا غير المأهولة دون توضيح كافٍ لكيفية تنفيذها فعلياً، ما يثير تساؤلات حول جدواها في المدى القريب، خاصة في ظل قيود الميزانية.
أما الأسطول البحري الحالي، فيواجه تحديات واضحة. عدد السفن القتالية السطحية سيتراجع مؤقتاً، ولن يبدأ التحسن قبل عام 2030 مع دخول سفن جديدة الخدمة. هذا يخلق فجوة زمنية قد تؤثر على جاهزية أستراليا البحرية.
وتبرز مشكلة أخرى أكثر إلحاحاً، وهي نقص سفن الإمداد التي تُبقي القطع البحرية في البحر لفترات طويلة. الاكتفاء بسفينتين فقط لا يوفر القدرة على العمليات المستمرة ولا يمنح مرونة كافية في الأزمات.
في النهاية، تعترف الاستراتيجية بأن العالم أصبح أكثر خطورة، وأن أستراليا تعتمد بشكل كبير على طرقها البحرية. لكن الخطة الحالية لا تقدم حلولاً كافية لحماية هذه المصالح خلال السنوات القليلة المقبلة، ما يجعل المخاطر تتزايد بدلاً من أن تتراجع.

سام نان صحفي وإعلامي مقيم في أستراليا، يعمل مترجماً للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، حيث يتولى نقل وتحرير أبرز الأخبار السياسية والاقتصادية والاجتماعية من الإعلام الأسترالي إلى اللغة العربية.

