تتجه أنظار العالم هذا الأسبوع إلى العاصمة الصينية بكين، حيث يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الصيني شي جين بينغ في قمة تحمل أبعاداً تتجاوز السياسة التقليدية أو الخلافات التجارية المعتادة. فرغم أن ملفات مثل إيران والتجارة الدولية لا تزال حاضرة بقوة، إلا أن المنافسة الحقيقية التي تفرض نفسها على جدول الأعمال هي سباق الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قطاع تقني أو أداة اقتصادية، بل أصبح محوراً رئيسياً في تحديد شكل النظام العالمي الجديد. فالدولتان لا تتنافسان فقط على الرسوم الجمركية أو أشباه الموصلات أو المعادن النادرة، بل على التكنولوجيا التي ستحدد مستقبل الاقتصاد، والأمن، والطاقة، والإعلام، وحتى طريقة حياة البشر.

عندما زار ترامب الصين عام 2017، كانت الشركات العملاقة مثل بوينغ وجنرال إلكتريك وغولدمان ساكس هي واجهة النفوذ الأمريكي. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بالكامل. الذكاء الاصطناعي أصبح في قلب القوة العالمية، وأصبحت شركات التكنولوجيا العملاقة ومراكز البيانات ومصممو الرقائق الإلكترونية جزءاً أساسياً من معادلة النفوذ الدولي.

الصين لم تعد مجرد “مصنع العالم”، بل تحولت إلى قوة متقدمة في السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والروبوتات والبنية الرقمية. وتسعى بكين الآن إلى جعل الذكاء الاصطناعي جزءاً من بنيتها الوطنية الأساسية، باعتباره وسيلة لدعم الاقتصاد وتعزيز النفوذ السياسي والعسكري.

في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تتفوق في مجالات مثل تصميم الرقائق الإلكترونية المتقدمة والاستثمارات الضخمة وشركات الذكاء الاصطناعي الكبرى. لكن هذا التفوق يواجه تحديات متزايدة، خاصة مع تراجع تدفق الباحثين والخبراء الدوليين إلى أمريكا نتيجة القيود الأمنية والهجرة المشددة.

وتشير تقارير حديثة إلى أن الفجوة التقنية بين الصين وأمريكا بدأت تضيق بسرعة. فالنماذج الصينية للذكاء الاصطناعي باتت تنافس بقوة نظيراتها الأمريكية، كما أن الصين تتقدم في عدد الأبحاث العلمية وبراءات الاختراع واستخدام الروبوتات الصناعية على نطاق واسع.

المعركة الحالية لم تعد مرتبطة فقط بابتكار أقوى نموذج ذكاء اصطناعي، بل بمن يستطيع دمج هذه التكنولوجيا في الحياة اليومية بشكل أسرع وأكثر فعالية. فالذكاء الاصطناعي سيدخل إلى المصانع، والسيارات، والموانئ، والمستشفيات، وشبكات الكهرباء، وحتى الأنظمة الأمنية والعسكرية.

ورغم التقدم الكبير، تواجه الصين تحديات تتعلق بالرقابة الحكومية وأزمات السكان والاقتصاد، بينما تواجه الولايات المتحدة مخاوف من تضخم نفوذ شركات التكنولوجيا العملاقة وتحولها إلى قوة تتجاوز سلطة الحكومات نفسها.

وفي ظل هذا التنافس المتسارع، تبرز مخاوف عالمية من غياب القواعد المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في المجالات العسكرية والأمنية. لذلك يرى مراقبون أن قمة بكين قد تكون فرصة نادرة لوضع أسس تفاهمات تقلل مخاطر هذا الصراع التكنولوجي الخطير.

فالرهان لم يعد فقط على من يربح سباق الذكاء الاصطناعي، بل على من سيحدد شكل العالم في العقود القادمة.