في وقتٍ كان فيه امتلاك منزل يُعد خطوة طبيعية في حياة أي شاب يعمل بجد، بدأت هذه الفكرة تتلاشى تدريجيًا لدى كثير من الأستراليين، خاصة في مناطق مثل جنوب شرق كوينزلاند. فمع ارتفاع الأسعار بوتيرة سريعة، أصبح الطريق إلى شراء منزل مليئًا بالتحديات، حتى بالنسبة لمن يملكون وظائف مستقرة ودخلًا جيدًا.
سيدهارث ناجار، مهندس مدني يبلغ من العمر 32 عامًا ويعيش في جولد كوست، كان يعتقد أنه يسير بثبات نحو شراء منزله الأول. لكن بعد أشهر من متابعة السوق وحضور المزادات، وجد نفسه أمام واقع مختلف تمامًا. الأسعار التي كانت في متناول يده قبل فترة قصيرة، ارتفعت بشكل مفاجئ، لتتجاوز قدراته المالية رغم استقراره الوظيفي.
يقول ناجار إن المنافسة أصبحت غير عادلة، حيث يدخل المستثمرون السوق بقدرات مالية أكبر، مما يرفع الأسعار بسرعة. ويضيف أن أي مشتري لأول مرة يحتاج إما إلى دخلين أو شريك بدخل مرتفع ليتمكن من المنافسة، وهو أمر لا يتوفر للجميع.
أحد الأسباب التي ساهمت في هذا الوضع هو توسيع برنامج “الدفعة الأولى 5%”، الذي كان من المفترض أن يسهل دخول السوق. لكن الواقع جاء بنتيجة مختلفة، إذ استغل بعض البائعين رفع سقف الأسعار ضمن البرنامج، وقاموا بزيادة أسعار العقارات لتتوافق مع الحد الأعلى الجديد، ما أدى إلى تضييق الفرص بدلًا من توسيعها.
في المقابل، لم يستفد سوق جنوب شرق كوينزلاند بالشكل المتوقع من هذا البرنامج، حيث أظهرت البيانات أن نسبة صغيرة فقط من عمليات الشراء تمت هناك مقارنة بمدن أخرى. ويرجع ذلك إلى أن أسعار العقارات تجاوزت في كثير من الأحيان الحد الأقصى المسموح به ضمن البرنامج، بالإضافة إلى قلة المعروض في السوق.
وسط هذا المشهد، بدأت الأنظار تتجه نحو ملبورن، التي أصبحت أكثر جذبًا للمشترين الجدد. فبالرغم من ارتفاع الأسعار على مستوى أستراليا، إلا أن نمو الأسعار في ملبورن كان أبطأ نسبيًا، مما جعلها أكثر قابلية للشراء، خاصة في فئة الشقق.
كما أن الفارق السعري بين ملبورن ومدن مثل بريسبان بات واضحًا، سواء في المنازل أو الشقق، وهو ما شجع العديد من المشترين على التفكير في الانتقال بين الولايات بحثًا عن فرصة أفضل. هذا التحول انعكس أيضًا في بيانات الهجرة الداخلية، حيث تراجع الإقبال على كوينزلاند مقارنة بالسنوات الماضية، بينما شهدت ملبورن زيادة ملحوظة في عدد القادمين إليها.
ورغم أن بعض المشترين يفكرون في المناطق الإقليمية كبديل أرخص، إلا أن هذه المناطق لم تعد دائمًا الحل، خاصة في كوينزلاند، حيث ارتفعت الأسعار هناك أيضًا.
في النهاية، يبدو أن حلم امتلاك المنزل الأول في أستراليا أصبح أكثر تعقيدًا مما كان عليه، ومع استمرار الضغوط على السوق، قد يضطر الكثيرون إلى إعادة التفكير في خياراتهم، وربما تغيير مدنهم بالكامل بحثًا عن فرصة ممكنة.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

